فإن النصحَ بين الناسِ نوعٌ ... من التوبيخِ لا أرضى استماعَه
فإن خالفتني وعصيتَ أمري ... فلا تجزع إذا لم تُعْطَ طاعة
صور من معاناة السلف الصالح في الأمر والنهي
ألا يا عباد الله: مروا بالمعروف ولا تخشوا إلا الله، لا خير فيكم إن لم تقولوا كلمة الحق، ولا خير في من لم يسمعها، ولا تظنوا أن الطريق مفروش بالورود لمن أمر ونهى، إنه طريق محمد صلى الله عليه وسلم أوذي فيه، ووضع سلا الجزور على ظهره، ووضع الشوك في طريقه، وأُدمي عقباه، وشُجَّ وجهه، وكسرت رباعيته؛ فما ضعف وما استكان وما هان، وما كان له ذلك، وللدعاة من بعده قدوة فيه صلى الله عليه وسلم .......
الأوزاعي مع عبد الله بن علي
هاهو عبد الله بن علي الحاكم العباسي عم أبي جعفر المنصور يوم دخل دمشق محتلاً؛ دخلها في يوم واحد فقتل ثمانية وثلاثين ألف مسلم في ست ساعات؛ كان من جبابرة الدنيا، حتى إنه أدخل الخيول في مسجد بني أمية.
ثم دخل قصره وقال: من يعارضني فيما فعلت؟
قالوا: لا يعارضك أحد.
قال: أترون أحداً من الناس يمكن أن ينكر عليَّ.
قالوا: لا يمكن أن ينكر عليك أحد إلا الأوزاعي -عالم الدنيا في ذلك الوقت، الزاهد المحدث الكبير- قال: عليَّ بالأوزاعي.
فلما نُوِدي الأوزاعي؛ علم أن الموت ينتظره، وأن الله أراد أن يبتليه؛ إما أن ينجح، أو يرسب رسوباً ما بعده رسوب؛ علم أن الله أراد أن يمتحنه ليصبر، أولا يصبر، فقالوا: للأوزاعى إن عبد الله بن علي يدعوك لمقابلته اليوم، والدماء لا زالت تجري على أرض دمشق لم تجف.
فماذا كان من هذا العالم الزاهد؟
لبس أكفانه بعدما اغتسل، ثم لبس ثيابه من على أكفانه، ثم أخذ عصاه، وخرج من بيته، وقال: يا ذا العزة التي لا تُضام، والركن الذي لا يُرام، يا من لا تُهزَم جنوده، ولا يُغلب أولياؤه، اللهم أنت حسبي ومن كنت حسبه فقد كفيته، ثم دخل.
وقبل أن يدخل سمع عبد الله بن علي به فصف وزراءه وأمراءه ميمنة وميسرة، ليُرهب هذا العالم، ثم مد سماطين من الجلود، ثم أمرهم أن يرفعوا السيوف حتى التقت رءوسها، ثم قال: أدخلوا الأوزاعي.
فدخل من بين السيوف، فلما دخل، ووقف عند عبد الله بن علي، غضب هذا الأمير غضباً حتى انعقد جبينه، قال: أأنت الأوزاعي؟
قال: يقول: الناس أنِّي الأوزاعي، وقال الأوزاعي في هذه اللحظة: والله ما رأيته إلا كأنه ذباب أمامي، يوم أن تصورت عرش الرحمن بارزاً يوم القيامة، وكأن المنادي ينادي: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى:7]، والله ما دخلت قصره إلا وقد بعت نفسي من الله عز وجل.
قال الأمير: ما ترى في هذه الدماء التي سفكنا؟