تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(الشبكة الإسلامية)

تقرير المساواة حقاً بين الناس من غير نظر إلى ألوانهم هذا جانب من جوانب الدعوة في حضارتنا الإسلامية.

فبعد أن أعلن القرآن مبدأ المساواة في قوله: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات:13]، وقف الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ليعلن في خطابه الخالد: "الناس من آدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى"، ولم تكن هذه المساواة لتقف عند حدود المبادئ التي تعلن في مناسبات متعددة - كما يقع من زعماء الحضارة الحديثة اليوم - بل كانت مساواة مطبقة تنفذ كأمر عادي لا يلفت نظراً، ولا يحتاج إلى تصنع أو عناء، فقد نفذت في المساجد حيث كان يلتقي فيها الأبيض والأسود على صعيد واحد من العبودية لله عز وجل والخشوع بين يديه، ولم يكن الأبيض ليجد غضاضة أو حرجاً في وقوف الأسود بجانبه. ونفذت في الحج حيث تلتقي العناصر البشرية كلها من بيضاء وملونة على صعيد واحد وبثياب واحدة من غير تمييز بين أبيض وأسود واستعلاء من البيض على السود.

بل إننا لنجد ما هو أسمى من هذا، فقد أمر سول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً الحبشي يوم فتح مكة أن يصعد فوق الكعبة ليؤذن من فوقها ويعلن كلمة الحق، والكعبة هي الحرم المقدس عند العرب في الجاهلية، وهي القبلة المعظمة في الإسلام، فكيف يصعد عليها عبد ملوّن كبلال؟ كيف يطؤها بقدميه؟ إن مثل هذا أو قريباً منه لا يتصور في الحضارة الحديثة في أمريكا إلى عهد قريب، ولكن حضارتنا فعلته قبل أربعة عشر قرناً، فما كان صعود بلال على سطح الكعبة إلا إعلاناً لكرامة الإنسان على كل شيء وأن الإنسان يستحق هذه الكرامة لعلمه وعقله وأخلاقه وإيمانه لا لبشرته وبياضه، فما يقدم الإنسان بياضه إذا أخَّره عمله، ولا يؤخره سواده إذا قدمه ذكاؤه واجتهاده.

ولذلك لم يرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه وهو من أكرم صحابته أن يسب آخر فيقول له: يا ابن السوداء، لم يرض منه ذلك بل قرَّعه وقال له: "أعيَّرته بسواد أمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية" وهذا حدّ فاصل بين العلم والجهل بين الحضارة الإنسانية والحضارة الجاهلية.

إن الحضارة التي لا يستعلي فيها عرق على عرق ولا لون على لون هي الحضارة التي يصنعها الإنسان العاقل الكريم وتسعد بها الإنسانية الواعية الكريمة، والحضارة التي يعلو فيها الأبيض ويمتهن فيها الأسود، ويسعد بها ذوو البشرة البيضاء، ويشقى بها الملونون هي الحضارة الجاهلية التي ترتد بها الإنسانية إلى الوراء مئات القرون عمياء متكبرة جاهلة حمقاء.

"إنك امرؤ فيك جاهلية" هذا وصف للحضارة الجاهلية التي تنادي بالتمييز العنصري، وهو ما كافحته حضارتنا في كل ميادين الحياة، في المسجد والمدرسة والمحكمة والقيادة، مع الأصدقاء والأعداء على السواء.

لمَّا جاء المسلمون لفتح مصر وتوغلوا فيها حتى وقفوا أمام حصن بابليون رغب المقوقس في المفاوضة مع المسلمين، فأرسل إليهم وفدًا ليعلم ما يريدون، ثم طلب

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٢٩٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٢٩٠٤