تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جاؤوا يطلبون التولية على أعمال المسلمين، فظهر أبو موسى وكأنه جاء يشفع لمن طلب الإمارة، فشعر بالحرج الشديد، قال: "فاعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعذرني". [رواه أحمد والنسائي].

وكان هذا الخلق صفة مميزة لمجتمع الصحابة رضي الله عنهم. يروي الإمام أحمد: أن عثمان بن عفان جاء يعتب على ابن مسعود في أمور سمعها عنه، فقال: "هل أنت منته عمَّا بلغني عنك؟ فاعتذر بعض العذر". ويمكن أن يكون الاعتذار دفعًا لاعتراض، أو إزالة لشبهة قد تثور، وما أعظم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب حين جاء يوم الجابية يوضح للناس أسباب عزل خالد بن الوليد، فقال: " ... وإني أعتذر إليكم من عزل خالد بن الوليد .. ". وما أعظم المجتمع الذي يجرؤ أحد أفراده أن يعلن عدم قبوله لعذر الأمير قائلاً له: "والله ما أعذرت يا عمر بن الخطاب ... ". [رواه أحمد].

وقد يدعوك موقف من المواقف إلى الشدة، التي قد يظنها الناس منك غلظة، فما أجمل أن تبين دواعي شدتك، حتى لا يفسرها أحد بأنها سوء خلق منك. روى الإمام أحمد أن حذيفة طلب ماءً من رجل من أهل الكتاب؛ ليشرب، فجاءه الكتابي بالماء في إناء من فضة، فرماه حذيفة بالإناء، (ثم أقبل على القوم، فاعتذر اعتذارًا وقال: إني إنما فعلت ذلك به عمدًا؛ لأني كنت نهيته قبل هذه المرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن لبس الديباج والحرير، وآنية الذهب والفضة". فأوضح لمن معه أن هذا الرجل يعلم حرمة استعمال آنية الفضة على المسلمين، ومع ذلك تكرر منه ما يدعو إلى الغضب والشدة.

كل هذه الأخلاق وقاية لمجتمع المسلمين من تفشي سوء الظن، وتقاذف التهم، التي إن استقرت في القلوب، لم يعد ينفع معها اعتذار، كما قالت عائشة من حديث الإفك: "والله لئن حلفت لا تصدقونني، ولئن اعتذرت لا تعذرونني" [رواه البخاري]. فمن تغلب على نفسه فاعتذر، فتغلب أنت على كبريائك فاعذُر، فقد عدَّ ابن القيم قبول عذر المعتذر من التواضع، ويقول في ذلك: "من أساء إليك ثم جاء يعتذر عن إساءته، فإن التواضع يوجب عليك قبول معذرته ... وعلامة الكرم والتواضع: أنك إذا رأيت الخلل في عذره لا توقفه عليه ولا تحاجّه" [تهذيب مدارج السالكين].

وتلقي الأعذار بطيب نفس، وبالعفو والصفح، يحض الناس على الاعتذار، وسوء المقابلة للمعتذر وتشديد اللائمة عليه يجعل النفوس تصر على الخطأ، وتأبى الاعتراف بالزلل، وترفض تقديم المعاذير، فإن بادر المسيء بالاعتذار فبادر أنت بقبول العذر والعفو عما مضى لئلا ينقطع المعروف. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل. ... \

=================

الشهيد ذو الابتسامة أبو حذيفة بن عتبة

إنه الصحابي الجليل أبو حذيفة بن عتبة -رضي الله عنه-، ابن عتبة بن ربيعة

شيخ قريش، وأخته هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان، كان من السابقين إلى الإسلام، فقد أسلم قبل دخول المسلمين دار الأرقم بن أبي الأرقم، وهاجر مع امرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو إلى أرض الحبشة، وولدت له هناك ابنه محمد بن أبي حذيفة، ثم قدم

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٢٩٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٢٩٠٠