تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ترجعوا بعدي ضلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض. ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد. فليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع. وفي رواية أنه قال في تلك الخطبة ألا لا يجني جان إلا على نفسه، ألا لا يجني جان على ولده، ولا مولود على والده، ألا إن الشيطان قد يئس أن يعبد في بلدكم هذا أبداً، ولكن ستكون له طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم، فسيرضى به. وأقام أيام التشريق بمنى يؤدي المناسك ويعلم الشرائع، ويذكر اللَّه، ويقيم سنن الهدى من ملة إبراهيم، ويمحو آثار الشرك ومعالمها، وقد خطب في بعض أيام التشريق أيضاً، فقد روى أبو داود بإسناد حسن عن سراء بنت نبهان قالت: خطبنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم الرؤوس، فقال: أليس هذا أوسط أيام التشريق. وكانت خطبته في هذا اليوم مثل خطبته يوم النحر، ووقعت هذه الخطبة عقب نزول سورة النصر. وفي يوم النفر الثاني - الثالث عشر من ذي الحجة - نفر النبي صلى الله عليه وسلم من منى، فنزل بخيف بني كنانة من الأبطح، وأقام هناك بقية يومه ذلك، وليلته، وصلى هناك الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة، ثم ركب إلى البيت، فطاف به طواف الوداع وكان قد أمر به أصحابه أيضاً. ولما قضى مناسكه حث الركاب إلى المدينة المطهرة، لا ليأخذ حظاً من الراحة، بل ليستأنف الكفاح والكدح للَّه وفي سبيل اللَّه. آخر البعوث: كانت كبرياء دولة الروم قد جعلتها تأبى عليه حق الحياة، وحملها على أن تقتل من أتباعها من يدخل فيه، كما فعلت بفروة بن عمرو الجذامي الذي كان والياً على معان من قبل الروم. ونظراً إلى هذه الجراءة والغطرسة أخذ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يجهز جيشاً كبيراً في صفر سنة ه. وأمر عليه أسامة بن زيد بن حارثة، وأمره أن يوطىء الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، يبغي بذلك إرهاب الروم وإعادة الثقة إلى قلوب العرب الضاربين على الحدود، حتى لا يحس أحد أن بطش الكنيسة لا معقب له، وأن الدخول في الإسلام يجر على أصحابه الحتوف فحسب. وتكلم الناس في قائد الجيش لحداثة سنه، واستبطأوا في بعثه، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إن تطعنوا في إمارته، فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وأيم اللَّه إن كان لخليقاً للإمارة، وإن كان من أحب الناس إلي، وإن هذا من أحب الناس إلى بعده. وانتدب الناس يلتفون حول أسامة، وينتظمون في جيشه، حتى خرجوا ونزلوا الجرف، على فرسخ من المدينة، إلا أن الأخبار المقلقة عن مرض رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أكرهتهم على التريث، حتى يعرفوا ما يقضي اللَّه به، وقد قضى اللَّه أن يكون هذا أول بعث ينفذ في خلافة أبي بكر الصديق. إلى الرفيق الأعلى طلائع التوديع: لما تكاملت الدعوة وسيطر الإسلام على الموقف، أخذت طلائع التوديع للحياة والأحياء تطلع من مشاعر صلى الله عليه وسلم، وتتضح بعباراته وأفعاله. إنه اعتكف في رمضان من السنة العاشرة عشرين يوماً، بينما كان لا يعتكف إلا عشرة أيام فحسب. وتدارسه جبريل القرآن مرتين، وقال في حجة الوداع إني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً، وقال: وهو عند جمرة العقبة خذوا عني مناسككم فلعلي لا أحج بعد عامي هذا، وأنزلت عليه سورة النصر في أوسط أيام التشريق، فعرف أنه الوداع، وأنه نعيت إليه نفسه. وفي أوائل صفر سنة 11هـ خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد، فصلى على الشهداء كالمودع للأحياء والأموات،

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٢٧٩٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٢٧٩٤