يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه} فلله درك، هكذا فلتكن التضحيات والشجاعة، وجربوا معه الإيذاء.
سجد عند الكعبة فأتوا بسلى الناقة فوضعوه على رأسه، فقام يبعد الدم عنه، ويقول: ﴿اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون﴾.
أخذوا بناته يضربونهن في وجوههن أمامه، فقال: ﴿اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون﴾.
أخرجوه من مكة وحاصروه، فقال: ﴿اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون﴾.
طردوه إلى الطائف فطرده أهل الطائف وأدموا قدميه، فقال: ﴿اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون﴾.
يقول له ملك الجبال، أتريد أن أطبق عليهم الأخشبين؟ -جبلي مكة -فيقول: ﴿إني أسأل من الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً﴾ هذا الذي نجح فيه صلى الله عليه وسلم.
هؤلاء استهزءوا فكفرهم الله: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65 - 66].
كعب بن مالك وتخلفه عن الركب
وانتهت الغزوة في مواصفات كثيرة، وفي أحداث مبكية مضنية، ورجع عليه الصلاة والسلام.
أما كعب بن مالك فهو في المدينة يعيش أياماً سوداء في حياته، قال: [[كنت أخرج بعد ذهاب الرسول عليه الصلاة والسلام، وبعد ذهاب الصحابة فلا أرى إلا شيخاً كبيراً في السن، أو عجوزاً، أو امرأة، أو رجلاً مغموساً عليه في النفاق، فلما اقترب عليه الصلاة والسلام من المدينة قال: حضرني بثي وحزني]] وكان كعب بن مالك شاعراً بليغاً، يجهز المعاذير لكنها سوف تتساقط، ويأتي بحجج يتحفظها في صدره لكنها سوف تهوي.
واقترب صلى الله عليه وسلم من المدينة، وكان إذا اقترب من المدينة يدخلها وقت الضحى فيستقبله أهل المدينة كأعظم ما يستقبل الأخيار إمامهم وعظيمهم وفاتحهم.
والصحيح عند أهل السير أن الأطفال خرجوا يحيونه بـ (طلع البدر علينا) يوم أتى من تبوك، خرج الأطفال من المدينة والجواري -البنات الصغار- خرجن على أسقفة المنازل يحيون أعظم قائد عرفه تاريخ الإنسان، فقد أخرج الناس من عبودية الإنسان للإنسان لعبودية الإنسان لرب الإنسان، وأخذوا يهتفون:
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع
جئت شرفت المدينة ... مرحباً يا خير داع
استقبال كعب بن مالك للنبي صلى الله عليه وسلم
أخذ صلى الله عليه وسلم يوزع البسمات على هؤلاء، ويحمل أحياناً الأطفال ويقبلهم وينزلهم من على راحلته، ومرة يردف أحدهم ومرة يجعله وراءه؛ لأنه أبو الأطفال، واليتامى، والمساكين، ومحرر المرأة، ورافع حق الإنسان، وموجد حق الحوار.