من كل مفتونٍ على قيثارةٍ ... كلٌ رأيت بفنه بيطارا
أو كاذبٍ خدع الشعوب بدجله ... عاش السنين بعمره ثرثارا
أو عالم لو مالقوه بدرهمٍ ... رد النصوص وكذَّب الأخبارا
أذن لهم صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة:
منهم كعب بن مالك؛ يروي معاناته، وأنا أرويها لكم هذه الليلة، وهي رواية أبكت أهل العلم، وأبكت الفضلاء على مر التاريخ.
إنها حسرة، وإنها دمعة أن يتخلف الإنسان عن الصلاة، أو عن الجهاد، أو عن فعل الخير.
تخلف رضي الله عنه ولم يكن له عذر، فقد ارتحل صلى الله عليه وسلم، وقال كعب بن مالك الشاعر -وهو من الأنصار الصادقين لكن أراد الله أن يتخلف لحكمة أرادها- والله ما كان لي من عذر، وقد قلت: سوف أرتحل غداً وألحق بالرسول عليه الصلاة والسلام، وقد ارتحل عليه الصلاة والسلام حين طابت الثمار في المدينة، وحين أصبح البلح يتدلى من نخل المدينة، وكان حر الجزيرة يلتهب، فالصحراء تخرج قذائف كالبراكين، والشمس تصهر الناس، ولكن يقول الله عزوجل لهؤلاء الخونة، المارقين المنافقين: وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ [التوبة:81] يقول بعضهم لبعض: انتظروا لا تخرجوا في الحر، الحر مؤذي، قال الله عزوجل: قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ [التوبة:81] بالله يا مسلمون! يا أخيار! يا أحفاد محمد عليه الصلاة والسلام! أي حر أشد الجزيرة العربية في الظهيرة أم حر جهنم:
تفر من الهجير وتتقيه ... فهلاَّ من جهنم قد فررت
وتشفق للمصِّر على الخطايا ... وترحمه ونفسك ما رحمت
مشيت القهقرى وخبطت عشوى ... لعمرك لو وصلت لما رجعت
حر الجزيرة أثناء غزوة تبوك
خرج عليه الصلاة والسلام، والحر يلتهب، والشمس المضنية تسحق ذرات الرمل، ومع ذلك أراد الله والدار الآخرة، وذكر الله أنهم لا يطئون موطئاً يغيظ الكفار، ولا يصعدون جبلاً، ولا يهبطون وادياً، أو يجوعون أو يظمئون إلا كان في سجل حسناتهم.
مشى صلى الله عليه وسلم بجيش عداده عشرة آلاف يخترق وسط الجزيرة العربية إلى شمالها في اتجاه تبوك، ليطرد المستعمرين والمحتلين والخونة عن حدود الجزيرة؛ لأنه يريد أن يطهرها لتبقى جزيرة لا إله إلا الله، جزيرة (إياك نعبد وإياك نستعين) جزيرة محمد رسول الله:
أنا الجزيرة في عيني عباقرة ... المجد والفجر والتاريخ والشرف
أنا الجزيرة بيت الله قبلتها ... وفي ربى عرفات دهرنا يقف
ومشى عليه الصلاة والسلام ولما اقترب من تبوك تخلف أبو ذر الغفاري، فقال: أين أبو ذر؟
قالوا: تخلف يا رسول الله! قال: إن يرد الله به خيراً يلحقه معنا، وإن لم يرد الله به خيراً لا يلحقه بنا.