تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والحق أن الصحبة بما هي فضيلة جليلة، لكنها غير عاصمة، والصحابة فيهم العدول وفيهم الأولياء والأصفياء والصديقون وهم علماؤهم وعظماؤهم وفيهم مجهول الحال، وفيهم المنافقون من أهل الجرائم والعظائم، والكتاب الحكيم يذكر ذلك بصراحة ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم.

فعدولهم حجة ومجهول الحال نتبين أمره، وأهل الجرائم لا وزن لهم ولا لحديثهم هذا رأينا في حملة الحديث من الصحابة وغيرهم والكتاب والسنة بنيا على هذا الرأي فالوضّاعون لا نعفيهم من الجرح وإن اطلق عليهم لفظ الصحابة، لأن في اعفائهم خيانة لله عز وجل ولرسوله ولعباده، ونحن في غنى بالعلماء والعظماء، والصديقين، والصالحين، من أصحابه صلى الله عليه وسلم ومن عترته التي أنزلها منزلة الكتاب وجعلها قدوة لأولي الألباب.

وعلى هذا فقد اتفقنا في النتيجة وإن قضى الالتواء في المقدمات شيئاً من الخلاف، فإن الجمهور إنما يعفون أبا هريرة، وسمرة بن جندب، والمغيرة، ومعاوية، وابن العاص، ومروان، وأمثالهم تقديساً لرسول الله لكونهم في زمرة من صحبه صلى الله عليه وسلم ونحن إنما ننتقدهم تقديساً لرسول الله ولسنته صلى الله عليه وسلم شأن الأحرار في عقولهم ممن فهم الحقيقة من التقديس والتعظيم.

وبديهي - بعد - أن تكذيب كل من يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً خارجاً عن طاقة التصديق أولى بتعظيم النبي وتنزيهه وأجرى مع المنطق العلمي الذي يريده صلى الله عليه وسلم لرواد الشريعة ورواد العلم من أمته، وقد أنذر صلى الله عليه وسلم بكثرة الكذابة عليه وتوعدهم بتبوء مقاعدهم من النار فأطلق القول بالوعيد.

وإني أنشر هذه الدراسة في كتابي هذا - أبو هريرة - مخلصاً للحق في تمحيص السنة وتنزيهها في ذاتها المقدسة وفي نسبتها لقدسي النبي الحكيم العظيم (وما ينطق عن الهوى).

قلت: قوله بأن أبا هريرة أفرط، فهذا كذب، فأي إفراط كان من أبي هريرة وهو الحافظ الذي عرفناه، والمفتي الذي احتاجت إليه الأمة بعد وفاة رؤوس الصحابة، وبقى أبو هريرة مع من بقى في المدينة مرجعاً للمسلمين في دينهم وشريعتهم، بعد أن انطلق الصحابة إلى الأقطار الإسلامية يعلمون أهلها ويفقهونهم، وسنتعرض للرد التفصيلي على دعواه هذه فيما بعد، ولكن لا بد من الإشارة إلى أن أبا هريرة لم يكن مفرطاً، بل كان كغيره من علماء الصحابة، يستفتى فيفتى، ويسأل فيجيب، فلم يكن مفرطاً، في عهد الخلفاء الراشدين ولا بعدهم، إنما وثق به القوم، وعرفوا مكانته، فوضعوه حيث يستحق، فكم من راحل يقطع المسافات ليرى أبا هريرة، وكم من مقيم يترك كبار الصحابة ويأتيه في مسألة أو حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

فأبو هريرة لم يكثر من عنده، إنما وثق الناس بحفظه فحرصوا على أن ينهلوا منه، فما جريرته في ذلك، وقد شهد بعلمه وحفظه ابن عمر وطلحة بن عبيد الله والزبير وغيرهم، حتى إنه قال - عندما استكثروا حديثه -: ما ذنبي إذا حفظت ونسوا.

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٢٥٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٢٥٧٨