عليه وآله وسلم طرفى النهار، وكان مسكيناً ضيفاً على باب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده مع يده، فلا نشك أنه سمع ما لم نسمع، ولا تجد أحداً فيه خير يقول عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما لم يقل وقال في رواية: " قد سمعنا كما سمع، ولكنه حفظ ونسينا ".
وروى أشعث بن سليم عن أبيه قال: سمعت أبا أيوب " الأنصاري " يحدّث عن أبي هريرة فقيل له: أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتحدّث عن أبي هريرة رضي الله عنه؟ فقال: إن أبا هريرة قد سمع ما لم نسمع، وإني أن أحدث عنه أحبّ إليّ من أن أحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - يعني ما لم أسمعه منه.
ثم إن جرأة أبى هريرة رضي الله عنه في سؤال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أتاحت له أن يعرف كثيراً مما لم يعرفه أصحابه، فكان لا يتأخر عن أن يسأله عن كل ما يعرض له، حيث كان غيره لا يفعل ذلك، قال أٌبي بن كعب: كان أبو هريرة رضي الله عنه جريئاً على النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسأله عن أشياء لا نسأله عنها.
كما كان يسأل الصحابة الذين سبقوه إلى الإسلام، فكان لا يتأخر عن طلب العلم، بل كان يسعى إليه في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وبعد وفاته.
وهو الذي يروى عنه: " من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين".
وقد رأينا أبا هريرة رضي الله عنه يحب الخير ويعمل من أجله، فما أظنه يتأخر عن خير من هذا النوع، وهو الذي صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لكلمة يعلمه إياها، ولحكمة يعظه بها
مرضه وفاته:
لما حضرته المنية رضي الله عنه قال: لاتضربوا علي فسطاطاً، ولاتتبعوني بنار وأسرعوا بي إسراعاً، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إذا وضع الرجل الصالح - أو المؤمن - على سريره قال: قدموني، وإذا وضع الرجل الكافر - أو الفاجر - على سريره، قال ياويلي أين تذهبون بي؟ وكانت وفاته في السنة التي توفيت فيها عائشة أم المؤمنين عام (58 ه).
الرد على الشبهات التي أثارها أهل البدع والمخالفين حول أبي هريرة ورواياته:
ذلكم أبو هريرة رضي الله عنه الذي عرفناه قبل إسلامه وبعد إسلامه، عرفناه في هجرته وصحبته للرسول الكريم، فكان الصاحب الأمين والطالب المجد، يدور مع الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم في حلّه وترحاله، ويشاركه أفراحه وأحزانه، وعرفنا التزامه للسنة المطهرة، وتقواه وورعه، في شبابه وهرمه ... وعرفنا مكانته العلمية، وكثرة حديثه، وقوة حافظته، ورأينا منزلته بين أصحابه، وثناء العلماء عليه.
ذلكم أبو هريرة رضي الله عنه الذي صوّره لنا التاريخ من خلال البحث الدقيق، إلا أن بعض الحاقدين الموتورين لم يسرهم أن يروا أبا هريرة رضي الله عنه في هذه المكانة السامية، والمنزلة الرفيعة، فدفعتهم ميولهم وأهواؤهم إلى أن يصوّروه صورة تخالف الحقيقة التي عرفناها، فرأوا في صحبته للرسول الكريم صلى الله