عيينة ومن معه بنجد، ورجع بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع السلاح وأَمر بقبة من أدمٍ فضربت على سعد في المسجد. الآن سعد جريح تنزف منه الدماء، والرسول صلى الله عليه وسلم يعتني بإخوانه المسلمين عناية كبيرة، وأمر المسلمين فضربوا خيمة في ساحة المسجد لسعد بن معاذ، يوضع فيها حتى يداوى من جراحه التي حصلت له. وبعد ذلك جاء جبريل عليه السلام وإن على ثناياه لنقع الغبا، رفقال: أوقد وضعت السلاح، والله ما وضعت الملائكة السلاح، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فأين؟ فأشار إلى بني قريظة، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم لامته، وأذن في الناس بالرحيل أن يخرجوا فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاصر بني قريظة حصاراً شديداً حتى طلبوا الصلح، قالوا: نستسلم لكن نريد أن تُحكم فينا واحداً منا .. من هو الشخص الذي رشحوه للحكم؟ إنه سعد بن معاذ؛ لأنهم كانوا حلفاء له في الجاهلية، فظنوا أن سعد بن معاذ سيرأف بهم، ويحكم فيهم حكماً معتدلاً، لأنه كان حليفاً لهم في الجاهلية وصديقاً لهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انزلوا على حكم سعد بن معاذ، فنزلوا وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد فأتي به على حمار وقد حمل عليه، وحث به قومه، فقالوا لسعد بن معاذ: يا أبا عمرو! حلفاؤك، ومواليك، وأهل النكاية، وهم من قد علمت، أي: ارأف بهم، هؤلاء كانوا معنا أصلاً وأموالنا وأموالهم سواء، فلم يلتفت إليهم - سعد - ولا كلمهم أبداً، حتى إذا دنا من بئرهم التفت إلى قومه الذين قد أحاطوا به، فقال لهم: قد آن لي ألا تأخذني في الله لومة لائم؛ فلما قال هذه الكلمة، بعض الرجال الذين معه رجعوا إلى قومهم من بني عبد الأشهل فنعوا رجال بني قريظة قبل أن يحكم سعد عرفوا من هذا الكلمة: [لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم] فرجعوا وهم يزفون خبر إعدام رجال بني قريظة إلى قومهم من بني عبد الأشهل قبل أن يتكلم سعد بشيء.
قدوم سعد بن معاذ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم
قال أبو سعيد: فلما طلع على رسول الله صلى الله عليه وسلم - طلع عليه سعد بن معاذ محمولاً- قال: (قوموا إلى سيدكم فأنزلوه) وهنا -أيها الإخوة- نقف وقفة فقهية، اشتهر هذا الحديث بلفظ (قوموا إلى سيدكم) وهذه الزيادة جاءت في طرق قليلة، زيادة (فأنزلوه) ومن هذه الطرق طريق أحمد الذي نحن بصدده الآن والذي سنده جيد. قال ابن كثير في البداية والنهاية: أمر عليه الصلاة والسلام من هناك من المسلمين بالقيام له، قيل: سبب القيام لينزل من شدة مرضه، لأنه لا يستطيع أن ينزل لوحده، فلا بد أن يقوم له أناس وينزلوه، وقيل: توقيراً له بحضرة المحكوم عليهم ليكون أبلغ في نفوذ حكمه. السبب الثاني للقيام: أنه ربما أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقوم هؤلاء الناس حتى يُظهر مكانة سعد، فعندما يحكم سعد يكون حكمه نافذاً، فقال: أنزلوه فأنزلوه، قال الشيخ/ ناصر في تعليقه على هذا الحديث في السلسلة الصحيحة في المجلد الأول: اُشتهر رواية هذا الحديث بلفظ: (لسيدكم) أي: قوموا لسيدكم، والرواية في هذا الحديث كما رأيت (إلى سيدكم) ليس (قوموا لسيدكم) وهناك فرق بين (قوموا لسيدكم) و (قوموا إلى سيدكم). ولا أعلم للفظ الأول أصلاً (قوموا لسيدكم) وقد نتج منه خطأ فقهي وهو الاستدلال به على استحباب القيام للقادم