وخانوا عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وغدروا بالمسلمين، وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ هو الذي يحكم فيهم، فأقبل سعد يحملونه وهو مصاب، وقال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. ثم التفت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إني أحكم فيهم أن تقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتسبى ذراريهم ونساؤهم، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لقد حكمت فيهم بحكم الله) [ابن عبدالبر].
ثم يموت سعد بن معاذ -رضي الله عنه-، ويلقى ربه شهيدًا من أثر السهم، وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم صحابته أن عرش الرحمن قد اهتز لموت سعد، وجاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: من هذا الميت الذي فتحت له أبواب السماء واستبشر به أهلها؟
وأسرع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى بيت سعد ليغسلوه ويكفنوه، فلما فرغوا من تجهيزه والصلاة عليه، حمله الصحابة فوجدوه خفيفًا جدًّا، مع أنه كان ضخمًا طويلاً، ولما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك قال: (إن الملائكة كانت تحمله) [ابن عبد البر]، وقال صلى الله عليه وسلم: (شهده سبعون ألفًا من الملائكة) [ابن عبد البر].
وجلس الرسول صلى الله عليه وسلم على قبره، فقال: (سبحان الله) مرتين، فسبح القوم ثم قال: (الله أكبر) فكبروا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم (لو نجا أحد من ضغطة القبر، لنجا منها سعد بن معاذ) [ابن عبد البر]. وكانت وفاته -رضي الله عنه- سنة (5هـ)، وهو ابن سبع وثلاثين سنة، ودفن بالبقيع.
----------------
عبر من سيرة سعد بن معاذ
إن هذه الأمة لن تنتصر على الأعداء حتى ترجع إلى ما كان عليه السلف رضوان الله عليهم، وإن مما يعين على شحذ الهمم، وقوة الحق، والانتصار لهذا الدين- النظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وصحابته الكرام، وقوتهم في الصدع بالحق، وجرأتهم في الدعوة إلى الله وصبرهم على الأذى فيه، وقد تناول الشيخ في هذا الدرس سيرة صحابي جليل ألا وهو سعد بن معاذ، ووقف في سيرته على بعض العبر والعظات المستفادة.
سبب اختيار الحديث عن سعد بن معاذ
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على الصراط المستقيم، ليله كنهاره، لا يزيغ عنه إلا هالك، فصلاة ربي وسلامه عليه إلى يوم الدين. أيها الإخوة: إن لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم حقاً عظيماً علينا، فهم أبر هذه الأمة نفوساً، وألينها قلوباً وأرقها، حملوا لواء الدعوة والجهاد حتى انتشر الإسلام في الأرض، وبنوا تلك القاعدة العظيمة للإسلام والمسلمين في أرجاء العالم، وهم المشكاة التي انبثق منها نور الهدى، وهم القدوة الذين نقلوا إلينا حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم .. نقلوا إلينا أحاديثه، فكل حديث نسمعه فنحن مدينون فيه لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ديناً عظيماً، لأنهم هم الرواة