تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تلك بعض الأحداث التي كانت بين غزوتي الطائف وتبوك، وهي تدل على الصبر والجلد عند أولئك الرجال العظام، وكيف أنهم كانوا يواصلون الخير والعطاء، ونشر الهداية بين الناس، والجهاد في سبيل الله باللسان والسنان دون كلل أو ملل، وفي ذلك درسٌ عظيم لأمة الإسلام كي تنهض من كبوتها، وتأخذ بهدي نبيها، عسى الله أن يجعل لها من بعد عُسرها يُسرا.

===============

غزوة تبوك

فتحت مكة، وانتشر الإسلام في جزيرة العرب، وأصبح يشكل خطرًا على الروم، فرأى الروم أن يجهزوا جيشًا لقتال المسلمين. فكان لابد للمسلمين من الخروج إليهم، ولكن الحر شديد، والسفر إلى أرض الروم طويل، والناس في عسرة، وثمار المدينة حان وقت حصادها، وفي ظل هذه الظروف كلها، كان القرار الحاسم، فقد أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم على الناس الخروج لقتال الروم، وهذه فرصة ليظهر المنافقون أمام المجتمع المسلم، ويثبت المسلمون الصادقون في إسلامهم.

وتسابق المسلمون في فعل الخير، وتجهيز الجيش الذي سمي بجيش العسرة، فجاء عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بنصف ماله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أبقيت لأهلك؟ ". قال: مثله. وأتى أبو بكر بكل ما عنده. فقال: "يا أبا بكر، ما أبقيت لأهلك؟ ". فقال: "أبقيت لهم الله ورسوله. [الترمذي]، وجاء

عثمان بن عفان إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار، فوضعها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يقبلها بيده، ويقول: "ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم" [الترمذي].

وقي الوقت نفسه كان المنافقون يختلقون الأعذار حتى لا يشاركوا في هذه الغزوة، وأخذوا يروِّجون لأفكارهم فيما بينهم، ويقولون: لا تنفروا في الحر، فأنزل الله تعالى فيهم: (قل نار جهنم أشد حرًّا لو كانوا يفقهون) [التوبة: 81]. وتحرك جيش المسلمين في شهر رجب من العام التاسع الهجري رغم الحر والتعب تاركين المدينة، وما بها من ثمار وظلال؛ طاعة لله ورسوله.

وفي الصحراء، اشتد الحر ونفد الماء، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ربه، وظل رافعًا يديه، فأرسل الله سحابة أمطرت حتى ارتوى الناس، واحتملوا حاجتهم من الماء. ووصل الجيش بسلام إلى تبوك، فنزل الرعب بقلوب الأعداء، فتفرقوا وانسحبوا داخل بلادهم، ولم يقدروا على محاربة المسلمين. فبعث الرسول صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك صاحب حصن دومة، وقال له: "إنك ستجده يصيد البقر".

وفي ليلة مقمرة، وقفت بقرة جميلة تحك باب القصر فنزل إليها الملك ليصيدها، وركب فرسه، وأخذ رمحه، وخرج مع بعض من أهله، فلما خرجوا كانت رسل النبي صلى الله عليه وسلم تنتظره، فأخذته، وقتلوا أخاه، وقدم خالد بن الوليد ومعه أكيدر أسيراً، فصالحه الرسول صلى الله عليه وسلم على الجزية، ثم تركه وخلى سبيله وعاد إلى قريته.

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٢٠٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٢٠٦٦