هذه بعض فوائد فتح مكة، ذلكم الفتح الذي ليس ثمة فتح يوازيه في مكانته وأهميته، حتى سماه العلماء الفتح العظيم، وذلك لما ترتب عليه من نتائج عظيمة ليس أقلها إعادة أعظم بقعة في الأرض من براثن الشرك إلى حمى التوحيد، وليس أدناها اقتران هذا الفتح المبارك بدخول الناس في دين الله أفواجاً، كما قال تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾ (النصر:1 - 3). والله الموفق.
==============
من مظاهر إنسانية الرسول في فتح مكة
أ. د/ جابر قميحة
komeha@menanet.net
على مدى ثلاثة عشر عامًا ظل النبي- صلى الله عليه وسلم- يدعو قومه إلى الدين الحق، ولم يستجب إليه إلا القليل، وكان أغلبهم من الفقراء والعبيد والمستضعفين، وتحمَّل الرسول- صلى الله عليه وسلم- هو وأصحابه من الأذى ما يفوق طاقة البشر إلى أن أذن الله له وللمسلمين بالهجرة، وفي المدينة أقام النبي- صلى الله عليه وسلم- دولةً تقوم على الحق والخير والأخوة والبر والرحمة والإنسانية، وكان بينه وبين قريش معارك ضارية، انتصر في أغلبها إلى أن كان صلح الحديبية في العام السادس من الهجرة .. ومن نصوصه: قيام هدنة لعشر سنوات، وإعطاء الحق للقبائل في الدخول في حِلف أحد الطرفين؛ فدخلت قبيلة (بكر (في حلف قريش، ودخلت قبيلة (خزاعة) في حِلف النبي- صلى الله عليه وسلم- ولكن قريشًا أغرت رجال (بكر) بـ (خزاعة)، وحرضتهم عليهم، واشتركوا معهم في قتل رجال من (خزاعة (غدرًا؛ فانطلق "عمرو بن سالم الخزاعي" إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأنشد بين يديه شعرًا يشرح فيه غدر قريش وخيانتها ونقضها لعهد الحديبية، فقال: "نُصرت يا عمرو بن سالم".
وأمر- صلى الله عليه وسلم- بالزحف إلى مكة، فغادر الجيش الإسلامي المدينة في العاشر من رمضان سنة 8 هجرية، ودخل النبي- صلى الله عليه وسلم- وجيشه) الذي بلغ عشرة آلاف) مكةَ في مطالع الأسبوع الأخير من رمضان.
ومن المدينة إلى مكة نواكب أعمال الرسول- عليه السلام- وأقواله، فنجدها جميعًا- دون استثناء- تتدفق بالإنسانية الحانية، بعيدًا عن الصلف والغرور ومشاعر الانتشاء التي تستبد بالقادة في مواقف النصر، ونشير في هذه العجالة إلى بعض المواقف النبوية الإنسانية:
لقد كان ضمن الجيش الزاحف ما يُسمَّى بـ"الكتيبة الخضراء" أو "كتيبة الحديد" - وهي كما نسميها اليوم - "الكتائب المدرعة"، وكان عليها "سعد بن عبادة" الذي أخذه شيء من الزَّهْو، فصاح: "اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستحَل الحرمة، اليوم أذل الله قريشًا"، فغضب النبي- صلى الله عليه وسلم- وأعطى الراية لـ"علي بن أبي طالب"، وقال"لا يا سعد، بل اليوم يوم المرحمة، اليوم تُقدّس الحرمة، اليوم أعز الله قريشًا"، وبينما كان الجيش يزحف إلى مكة رأى (كلبة) تُرضع أولادها، فخشى أن يَسحقها الزاحفون دون أن يشعروا، فأمر "جعيل بن سراقة" أن يقوم حذاءها؛ حتى