وكان أول من بايعه على ذلك أبو سنان عبد الله بن وهب الأسدي، فخرج الناس بعده يبايعون على بيعته، فأثنى عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: (أنتم خير أهل الأرض)، وقال: (لا يدخل النار إن شاء الله، من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها).
وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يده اليمنى، وقال (هذه يد عثمان)، فضرب بها على يده اليسرى، وقال: (هذه لعثمان). فنال عثمان بذلك فضل البيعة.
وقبل أن تتطور الأمور عاد عثمان رضي الله عنه بعد البيعة مباشرة.
وعرفت هذه البيعة بـ (بيعة الرضوان)، لأن الله تعالى أخبر بأنه رضي عن أصحابها، في قوله: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾.
أرسلت قريش عدداً من السفراء للتفاوض مع المسلمين، بعد سفارة بديل بن ورقاء. فقد أرسلوا عروة بن مسعود الثقفي، وقبل أن يتحرك خشي أن يناله من التعنيف وسوء المقالة ما نال من سبقه، فبين لهم موقفه منهم، وأقروا له بأنه غير متهم عندهم، وذكر لهم أن الذي عرضه عليهم محمد هو خطة رشد. ودعاهم إلى قبولها، فوافقوا على رأيه.
وعندما جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قال له ما قال لبديل، فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى، فإني والله لا أرى وجوهاً وإني لأرى أشواباً من الناس خليقاً أن يفروا ويدعوك. فقال له أبو بكر: امصص بظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟ ... وكان كلما تكلم كلمة أخذ بلحية الرسول صلى الله عليه وسلم، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس البني صلى الله عليه وسلم ومعه السيف، فيضربه بنعل السيف ويقول: أخّر عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ... ولحظ عروة تعظيم الصحابة للرسول صلى الله عليه سلم وحبهم له وتفانيهم في طاعته، فلما رجع إلى قريش، قال لهم: (أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله ما رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه مثل ما يعظم أصحاب محمد محمداً).
ثم بعثوا الحليس بن علقمة الكناني سيد الأحابيش، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه)، فلما رأى الحليس الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده، رجع إلى قريش قبل أن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك إعظاماً لما رأى، وقال لقريش: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت، فقالوا: اجلس، إنما أنت أعرابي لا علم لك. فغضب وقال: يا معشر قريش، والله ما على هذا حالفناكم، أيصد عن بيت الله من جاءه معظما له!! والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد، قالوا: مه، كف عنا حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به.
ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (هذا مكرز وهو رجل فاجر) ... فجعل يكلم الرسول صلى الله عليه وسلم، فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو رسولاً من قبل قريش، فقال النبي صلى الله عليه وسلم