أبرزها الحذر من غدر الغادرين، وعدم الاعتماد على عهود الكافرين، إضافة إلى أهمية الصبر وأثره في حياة المؤمن، وخاصة في المواقف الحرجة والصعبة، فالصبر هو طريق الجنة الموصل إليها، قال تعالى: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾ (آل عمران:142)، وتفيد أيضاً كيف أن الله سبحانه يكرم بعض عباده بكرامات تزيد إيمان أوليائه، وتؤثر في نفوس أعدائه، وأن الأمور بخواتيمها، فمن مات صابراً محتسباً له البشارة من الله، قال تعال: ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين﴾ (البقرة:155)، ويستفاد من الحادثة أن الله سبحانه يبتلي عبده المؤمن بما شاء، وتفيد أيضاً استجاب الله دعاء المسلم وإكرامه حياً وميتاً، وتفيد كذلك اللجوء إلى الله تعالى وقت الشدة، وفي هذه الحادثة برزت المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والدفاع عنه.
================
يوم بئر معونة
رغم ما حدث للعشرة الذين قتلوا في بعث الرجيع، ما زال المسلمون يقدمون أرواحهم في سبيل نشر الدين، فقد باعوا أنفسهم لله تعالى، واشتروا بها
الجنة، فقد قدم عامر بن مالك على رسول الله صلى الله عليه وسلم
المدينة، فعرض عليه الإسلام، فلم يسلم ولم يرفض، وقال للرسول صلى الله عليه وسلم: لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد، فدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك، فقال صلى الله عليه وسلم: إني أخشى عليهم أهل نجد، فقال عامر: أنا لهم جار (أي: سوف أحميهم).
فبعث معه رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين رجلا من صحابته ليدعوا قبائل نجد إلى الإسلام، فسار الصحابة في الصحراء، وكانوا يجمعون الحطب نهارًا ويبيعونه حتى يكسبوا معاشهم، وينامون بعض الليل، ثم يستيقظون لعبادة الله بقية ليلهم، وظلوا هكذا حتى وصلوا إلى بئر معونة، وهناك أرسلوا أحدهم، ويدعى حرام بن ملحان -رضي الله عنه- برسالة من الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو فيها عامر بن الطفيل إلى الإسلام.
ولكن هذا المشرك طعن حرام بن ملحان بكل غدر وحمق وجهالة، فصاح ذلك الصحابي -والدم يسيل من جسده الطاهر- قائلا: فزت ورب الكعبة، ولم يكتفِ عامر بن الطفيل بما فعله، وإنما جمع أعوانه من الكفار، وأحاطوا بالمسلمين وهم في رحالهم، وقتلوهم جميعًا إلا كعب بن زيد الذي عاش حتى قتل يوم الخندق شهيدًا، وكان في سرح الدعاة اثنان لم يشهدا الموقعة الغادرة، أحدهما عمرو بن أمية الضمري ولم يعرف النبأ إلا فيما بعد، ورجل من الأنصار، فأقبلا يدافعان عن إخوانهما، فقتل الأنصاري، وأسر عمرو بن أمية، ولكن عامر بن الطفيل أطلق سراحه، فرجع إلى المدينة.
وفي الطريق لقى رجلين ظنهما من بني عامر فقتلهما، ثم تبين لما وصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهما من بني كلاب، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أجارهما، فالتزم الرسول صلى الله عليه وسلم بدفع ديتهما، حزن الرسول صلى الله