المعركة، بل قاتلوا حتى اللحظة الأخيرة، إلى أن اكتفت قريش بما حققت وانصرفوا بعد انتهاء المعركة.
ولما انقضت الحرب، صعد أبو سفيان على مكان مرتفع، ونادى في المسلمين: أفيكم محمد؟ فلم يرد عليه أحد، فقال: أفيكم أبو بكر؟ فلم يرد عليه أحد، فقال: أفيكم عمر بن الخطاب؟ فلم يرد عليه أحد، فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا، فلم يتمالك عمر نفسه، فرد عليه قائلا: يا عدو الله، إن الذين ذكرتهم أحياء، وقد أبقي الله لك ما يسوءك، ثم قال أبو سفيان أُعل هُبَل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا تجيبونه؟) قالوا: ما نقول؟ قال صلى الله عيه وسلم: (قولوا الله أعلى وأجل) ثم قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال صلى الله عليه وسلم: (ألا تجيبونه؟) فقالوا: ما نقول؟ قال صلى الله عليه وسلم: (قولوا الله مولانا ولا مولى لكم) _[البخاري].
وعاد المشركون إلى بلدهم، وقد انتشرت في ساحة القتال جثث شهداء المسلمين وقتلى الكفار، وقد ارتوت الرمال بدماء الشهداء الطاهرة التي أريقت من أجل الإسلام، فياله من مشهد حزين!! سبعون شهيدًا من المسلمين، واثنان وعشرون قتيلا من المشركين، وحزن المسلمون حزنًا شديدًا على شهدائهم، ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم حزينًا ينظر إلى جثة عمه حمزة -رضي الله عنه- وقد مثل به الأعداء، فأقسم لَيُمَثِّلَنَّ بسبعين من الكفار إن نصره الله عليهم بعد
ذلك، فنزل قول الله تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين﴾ [النحل:126].
صور بطولية من المعركة:
تجلت صور رائعة من البطولة والشجاعة والإيمان لرجال ونساء المسلمين في غزوة أحد، وكذلك حدثت بعض المعجزات، لتكون عظة وذكرى وتبصرة للمؤمنين، فهذا أبي بن خلف يقبل على النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد حلف أن يقتله، وأيقن أن الفرصة قد حانت، فجاء يقول: يا كذاب، أين تفر؟ وحمل على الرسول صلى الله عليه وسلم بسيفه، فقال صلى الله عليه وسلم: (بل أنا قاتله إن شاء الله) وطعنه صلى الله عليه وسلم طعنة وقع منها، فما لبث أن مات. [البيهقي].
ويمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم بسيفه قبل بدء المعركة ويقول: (من يأخذ هذا السيف بحقه؟) فتأخر القوم، فقال أبو دجانة: وما حقه يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (أن تضرب به في العدو حتى ينحني) فقال أبو دجانة: أنا آخذه بحقه، فأعطاه إياه. [مسلم] وكان أبو دجانة رجلا شجاعًا يختال عند الحرب، وكانت له عصابة حمراء إذا اعتصب بها فإنه يقاتل حتى الموت، فأخذ
أبو دجانة السيف وهو يقول:
أنا الذي عَاهَدني خَليلي ونَحنُ بالسَّفْحِ لَدي النَّخيل
ألا أقُوم الدَّهرَ في الكُيول أضْربُ بسيف اللهِ والرسولِ
والكيول هي مؤخرة الصفوف، فكأنه يقول: لن أكون أبدًا إلا في المقدمة ما دمت أحمل هذا السيف.
وأخذ (أبو دجانة) يضرب المشركين بسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأثناء المعركة رأي أبو دجانة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أصبح هدفًا لنبال