وطير وشيء. . حين أعوزهم أن يجدواً متصرفاً منسقاً للتعبير الظاهر عن القوى الخفية. . فجاء الإسلام يلبي دواعي الفطرة بتلك الأشكال المعينة لشعائر العبادة، مع تجريد الذات الإلهية عن كل تصور حسي وكل تحيز لجهة. فيتوجه الفرد إلى قبلة حين يتوجه إلى الله بكليته. . بقلبه وحواسه وجوارحه. . فتتم الوحدة والاتساق بين كل قوى الإنسان في التوجه إلى الله الذي لا يتحيز في مكان؛ وإن يكن الإنسان يتخذ له قبلة من مكان!
ولم يكن بد من تمييز المكان الذي يتجه إليه المسلم بالصلاة والعبادة وتخصيصه كي يتميز هو ويتخصص بتصوره ومنهجه واتجاهه. . فهذا التميز تلبية للشعور بالامتياز والتفرد؛ كما أنه بدوره ينشاء شعوراً بالامتياز والتفرد.
ومن هنا كذلك كان النهي عن التشبه بمن دون المسلمين في خصائصهم، التي هي تعبير ظاهر عن مشاعر باطنة كالنهي عن طريقتهم في الشعور والسلوك سواء. ولم يكن هذا تعصباً ولا تمسكاً بمجرد شكليات. وإنما كان نظرة أعمق إلى ما وراء الشكليات. كان نظرة إلى البواعث الكامنة وراء الأشكال الظاهرة. وهذه البواعث هي التي تفرق قوماً عن قوم، وعقلية عن عقلية، وتصوراً عن تصور، وضميراً عن ضمير، وخلقاً عن خلق، واتجاهاً في الحياة كلها عن اتجاه.
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون، فخالفوهم».
وقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم - وقد خرج على جماعة فقاموا له «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها».
وقال صلوات الله وسلامه عليه -: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله».
نهى عن تشبه في مظهر أو لباس. ونهى عن تشبه في حركة أو سلوك. ونهى عن تشبه في قول أو أدب. . لأن وراء هذا كله ذلك الشعور الباطن الذي يميز تصوراً عن تصور، ومنهجاً في الحياة عن منهج، وسمة للجماعة عن سمة.
ثم هو نهى عن التلقي من غير الله ومنهجه الخاص الذي جاءت هذه الأمة لتحققه في الأرض. نهى عن الهزيمة الداخلية أمام أي قوم آخرين في الأرض. فالهزيمة الداخلية تجاه مجتمع معين هي التي تتدسس في النفس لتقلد هذا المجتمع المعين. والجماعة المسلمة قامت لتكون في مكان القيادة للبشرية؛ فينبغي لها أن تستمد تقاليدها - كما تستمد عقيدتها - من المصدر الذي اختارها للقيادة. . والمسلمون هم الأعلون. وهم الأمة الوسط. وهم خير أمة أخرجت للناس. فمن أين إذن يستمدون تصورهم ومنهجهم؟ ومن أين إذن يستمدون تقاليدهم ونظمهم؟ إلا يستمدوها من الله فهم سيستمدونها من الأدنى الذي جاءوا ليرفعوه!
ولقد ضمن الإسلام للبشرية أعلى أفق في التصور، وأقوم منهج في الحياة. فهو يدعو البشرية كلها أن تفيء إليه. وما كان تعصباً أن يطلب الإسلام وحدة البشرية على أساسه هو لا على أي أساس آخر؛ وعلى منهجه هو لا على أي منهج آخر؛ وتحت رايته هو لا تحت أية راية أخرى. فالذي يدعوك إلى الوحدة في الله، والوحدة في الأرفع من التصور، والوحدة في الأفضل من النظام، ويأبى أن يشتري الوحدة