وبنود هذه الصحيفة مبنية على نصوص ثابتة، وقواعد شرعية، ومصالح معتبرة، منها قوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين﴾ (الممتحنة:8). وقوله صلى الله عليه وسلم: (المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده) رواه الإمام أحمد و أبو داود وصححه الألباني.
والمتأمل في بنود هذه الوثيقة يدرك مدى العدالة التي اتسمت بها معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لليهود، وإسقاط كل الاعتبارات الطبقية والجاهلية، وترسيخ المبادئ الإسلامية، كما أنها اشتملت جميع ما تحتاجه الدولة، من مقوماتها الدستورية والإدارية، وعلاقة الأفراد بالدولة، وعلاقة بعضهم ببعض.
ولقد كان بالإمكان أن تؤتي هذه الوثيقة ثمارها مع اليهود لولا طبيعة الغدر والخيانة فيهم، حيث سلك اليهود وسائل عدة ومتنوعة للكيد برسول الله صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه، وهدم دعائم الدين الإسلامي، إلا أن وسائلهم التي اتخذوها باءت بالفشل، والسبب يرجع إلى حكمة النبي صلى الله عليه وسلم، وحنكته في إدارة شؤون الدولة.
===============
مرحلة الجهاد في سبيل الله
لقد ترك المسلمون مكة كلها للكفار، وهاجروا إلى المدينة، ولكن الصراع بينهما لم ينته، بل زاد عما كان عليه في مكة، واتخذ شكلا جديدًا، بعد أن نزل الإذن من الله بقتال المشركين، قال تعالى: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير. الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز. الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾ [الحج: 39 - 41].
وقد أصبح المسلمون في المدينة قوة كبيرة بانضمام الأنصار إليهم، فلماذا لا يستردون حقوقهم المسلوبة؟ وخاصة أن المدينة تقع على الطريق بين مكة والشام حيث تمر قوافل أهل مكة التجارية، لذلك قرر رسول الله صلى الله عليه وسلم إرسال سرايا من جيش المسلمين يزعجون قريشًا ويستطلعون أخبارها، ومن هذه السرايا:
سرية سيف البحر:
في شهر رمضان من السنة الأولى للهجرة خرج حمزة بن عبد المطلب ومعه ثلاثون من المهاجرين لاعتراض قافلة لقريش قادمة من الشام يقودها أبو جهل في ثلاثمائة رجل، ولكن رجلا اسمه مجدي بن عمرو صَالَحَ بين الفريقين، ولم يحدث قتال، وعرف الكفار منذ ذلك الوقت أن المسلمين مستعدون لمواجهتهم.
سرية رابغ: