تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعندما أقبل أبو جهل على قومه بادروه قائلين: ويلك! ما بك؟ فقال لهم: والله ما هو إلا أن ضرب عليَّ وسمعت صوته فملئت منه رعبًا، ثم خرجت إليه، وإن فوق رأسه لفحلا من الإبل ما رأيتُ مثلَه قط، فوالله لو أبَيتُ لأكلني. [البيهقي]

وبدأ كفار قريش مرحلة جديدة من المفاوضات، فذهبوا إلى أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا له: يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سبَّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلى بيننا وبينه، فردَّ عليهم أبو طالب ردًّا رقيقًا، فانصرفوا عنه.

ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم استمر في إظهار دين الله ودعوة الناس إليه، فجمع الكفار أنفسهم مرة أخرى وذهبوا إلى أبي طالب، فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سنًّا وشرفًا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب

آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين.

وأرسل أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما جاء قال له: يابن أخي! إن قومك قد جاءوني، وقالوا كذا وكذا فأَبقِ علىَّ وعلى نفسك، ولا تُحملني من الأمر ما لا أطيق أنا ولا أنت، فاكفف عن قومك ما يكرهون من قولك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمه: (والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري، ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه) فقال أبو طالب: امضِ على أمرك وافعل ما أحببت، فوالله! لا أسلمك لشيء أبدًا.

لم يستطع المشركون أن يوقفوا مسيرة الدعوة للإسلام، ولم يستطيعوا إغراء الرسول صلى الله عليه وسلم بالمال أو بالجاه، وقد خاب أملهم في عمه أبي طالب، وها هو ذا موسم الحج يقبل، والعرب سوف يأتون من كل مكان، وقد سمعوا بمحمد ودعوته، وسوف يستمعون إليه وربما آمنوا به ونصروه، فتسرب الخوف إلى قلوب الكفار في مكة، وفكروا في قول واحد يتفقون عليه ويقولونه عن محمد صلى الله عليه وسلم حتى يصرفوا العرب

عنه، فالتفوا حول الوليد بن المغيرة، وكان أكبرهم سنًّا؛ فقال أحدهم: نقول إن محمدًا كاهن، فقال الوليد: والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه، فقالوا: نقول إن محمدًا مجنون، فقال لهم: ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون وعرفناه، فقالوا: نقول إن محمدًا شاعر، فقال لهم: ما هو بشاعر لقد عرفنا الشعر كله فما هو بالشعر، فقالوا: نقول ساحر، فقال لهم: ما هو بساحر، لقد رأينا السحرة وسحرهم وما هو منهم.

فقالوا للوليد بن المغيرة: فما تقول يا أبا عبد شمس؟ فأقسم لهم أن كلام محمد هو أحلى الكلام وأطيبه، وما هم بقائلين من هذا شيئًا إلا عُرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه أن تقولوا: إن محمدًا ساحر يفرق بين المرء وأخيه وبين الرجل وزوجته والرجل وأبيه، فوافق الكفار على رأيه وانتشروا في موسم الحج يرددون هذه الافتراءات بين الناس، حتى يصدوهم عن دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى في الوليد بن المغيرة قوله: {ذرني ومن خلقت وحيدًا. وجعلت له مالاً ممدودًا. وبنين شهودًا. ومهدت له تمهيدًا. ثم يطمع أن أزيد. كلا إنه كان لآياتنا عنيدًا. سأرهقه

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٦٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٦٩٩