السائدة في إقناعهم فطوروا عقيدة خاصة بهم تنسجم مع فطرتهم، هذا الطابع الذي كان سائداً يحمل الطابع الإبراهيمي , وهو لا يمت بصلة إلى التفكير اليهودي المسيحي الذي نشأ مع الحركة النبوية الإسرائيلية، ومجرد انتشار الفكر الكتابي بين بعض العرب لا يدل على صبغة يهودية أو مسيحية للحنفاء وإلا لكانوا تهودوا أو تنصروا بل كانوا على مسافة من الكتابيين ومن الدين الجاهلي الذي كان سائداً قبل البعثة إلى أن جاء الإسلام منسجماً مع تطلعاتهم (65).
الدين الجاهلي: من يتتبع ما ورد عن عقائد الجاهليين في القرآن يجد أنها من التنوع والكثرة والاختلاف ما لا يحيط به اسم دين أو عقيدة، وهي عقائد متشابهة في بعض الأشياء والرموز , ومختلفة في البعض الآخر، لكن القرآن يورد مسمى واحداً يتكرر مع ذكر مختلف هذه العقائد , هو مفردة الشرك ومشتقاتها، بحيث يمكن اعتبار هذه التسمية تعبيراً عن العقيدة العامة التي كانت تسود في بيئة عصر البعثة، وأنها لا تعني نوعاً محدداً من العقائد، وأنها كانت عامة يمكن أن ينطوي فيها عقائد متنوعة، وقد تكون أحياناً مختلطة ومتداخلاً بعضها مع بعض، يجمع بينها ضابط عام هو إشراك ما دون الله مع الله أياً كان هذا الدون (66).
ولئن كان تعبير الشرك علَماً على الدين الجاهلي العام والمتنوع , فإن الطاغوت كما تشير السياقات هو علم على الآلهة المزيفة لعقيدة الشرك (67)، ونظراً لهذا التنوع في العقائد والعادات والشعائر والطقوس التي تندرج تحت وصف الشرك , والتي أشير إليها في القرآن سنتناولها ضمن تصنيف جملي نستكشف من خلاله التصورات والعقائد التي تشمل: الإله، الغيب، الطقوس والشعائر، المحرمات.
- تصور الإله عند الجاهليين: يحفل القرآن بذكر عدد من أسماء الآلهة الجاهلية التي كانت منتشرة في مكة أو خارجها والتي كان يعبدها العرب، كما ورد ذكر الأصنام والأوثان والأنصاب والأزلام وغيرها مما كان يعبده الجاهليون، ولم يقتصر أمر الشرك على المصنوعات المادية فقد ذكر عبادتهم للملائكة والجن والشمس والكواكب والدهر وغير ذلك (68).
ولم تحدد جغرافية هذه الآلهة وأماكن انتشارها وتاريخها إلا أنها تدل فيما تدل عليه من ورودها مجملة على التنوع الذي كان سائداً، وربما يكون مرده حصول تطور في الفكر الديني العربي أدى إلى الانتقال في تصور الإله من معبودات مادية إلى رؤية تجريدية، وذلك بفضل الاحتكاك والتعرف على عقائد أهل الكتاب والبيئات المحيطة بهم.
إذ يلاحظ من خلال المصادر التاريخية أن العربي توهم الحياة في كل شيء فكان يرى في الجماد والحيوان شخصية خاصة بها، ورغم قلة المعلومات فإن هناك إشارات عديدة تذكر عبادة عديد العرب للحيوانات وكذلك الجماد والأحجار والأشجار .. وتحت تأثيرات داخلية وخارجية اتخذ التصور الديني العربي صيغة أكثر تجريداً فبرزت عبادة الكواكب والأجرام السماوية (69) , وفي خطوة متقدمة نجد عبادة الملائكة والجن كمخلوقات غيبية غير مدرَكة.