تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والغموض , لاسيما فيما يخص الواقع الديني الذي كان سائداً آنذاك، إذ المراجع التاريخية حول هذه المرحلة وفي الجانب الديني بالخصوص قليلة جداً، وما وجد منها لا يفيد في الموضوع , إلا إشارات ودلالات عامة لا تفسر العقلية والتفكير الديني الذي كان سائداً , بخلاف مناطق ومراحل تاريخية أخرى , إذ توجد حولها نصوص ونقوش مفصلة أحياناً، وهذا ما عانى منه مختلف المؤرخين الذين اشتغلوا في الموضوع (1).

أما النص القرآني فأسلوبه بشكل عام يبتعد عن التفصيل في المواضيع التاريخية , إذ يأتي بذكرها لتحقيق هدف خاص هو العبرة والنقد والتوجيه نحو المستقبل , واكتشاف السنة الإلهية، لذلك فهو غير صريح في الدلالة على ما كان سائداً، لكن ما ورد فيه من نقد متواتر لما كان سائداً من عادات وتقاليد وأفكار يمكن أن يكون مرجعاً غير مباشر لاكتشاف تلك البيئة المثيرة (2).

وهذا ما سنتتبعه في هذه المقاربة مستأنسين ببعض ما ورد في الدراسات التاريخية المتخصصة في تلك المرحلة، وقد لوحظ أن القرآن يقدم عن الدين الجاهلي صورة تختلف تماماً عما تقدمه كتب التاريخ والأدب (3)، لاسيما وأن تلك المصادر سعت إلى تقليل شأن عصر النبي وبيئته قبل البعثة من الناحية المادية والأدبية , والمدارك العقلية حيث تصفها بصفات الجهل والانحطاط والغلظة .. ، وهي نظرة تخالف ما تلهمه نصوص القرآن عن تلك الفترة (4).

المجتمع بين البدو والحضر:

من الصعوبات التي نود أن نشير إليها والتي لم يسعف فيها النص القرآني ولا الدراسات التاريخية الخلط في المصادر بين البيئة الحضرية المكية التي بعث فيها الرسول وبين عادات وتقاليد أهل البدو والمناطق غير الحضرية، فما ورد عن العرب في الجزيرة العربية يتم تداوله مجملاً من غير تفصيل (5)، فهل ما ورد كان خاصاً بأهل مكة من العرب , أم يشمل ما جاورهم في أصقاع الجزيرة العربية من بواد وحواضر أخرى غير مكة وهي غير قليلة وعلى صلة مباشرة بأهل مكة، وما يدعو إلى إثارة هذا التساؤل ما يمكن ملاحظته من تناقض في العادات (6)، والقيم الواردة عنهم مجملة دون تفصيل، بل إن بعض المستشرقين شكك في مدينة مكة باعتبارها محطة للقوافل (7).

وإذا تأملنا في القرآن نجد إشارات خاصة إلى الأعراب (8) الذين يكونون عادة حول القرى (9)، وبينت الآيات بعض أخلاقهم وعاداتهم وكيفية تعاملهم مع الرسول مشيرة إلى كونهم أشد كفراً وغلظة من أهل الحضر (10)، مما يدل على تفاوت في قيم التعامل مع الرسالة بين أهل القرى وأهل البادية، كما أن الأعراب أنفسهم -كما تشير الآيات - لم يكونوا على درجة واحدة في تلقي الرسالة وتعاملهم معها (11)، ومما يلح على ضرورة التمييز بين البدو الحضر هو ظاهرة تعميم حال البدو الرُّحَّل , واعتبارهم مقياساً للثقافة العربية فيما قبل الإسلام (12).

لكن بعض الباحثين لاحظ ضرورة إعادة الاعتبار للقرشيين الذين كانوا أكثر وعياً وذكاء وإنسانية من الجموع البدوية، وأنه كانت لهم قدرات أخلاقية وفكرية استثنائية،

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٦٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٦٣٣