تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التجربة والخبر الصادق باعتبارهما معيارين يجب اللجوء إليهما، للتحقق من صدق المعرفة أو كذبها، فهما معياران للحقيقة، فالقضية الصادقة يجب أن يتم التثبت منها بالتجربة أو الخبر الصادق.

رابعاً: يتفق الاثنان على أنّ العقل لا يمتلك قدرات مطلقة. وأنّه على الصعيد الميتافيزيقي، يمكن للعقل أن يثبت الوجود الإلهي. وأصرّ ابن الجوزي بوضوح بالغ على أنّه يجب التوقف بعد ذلك، والاتجاه لإثبات النبوة، ومعرفة تفاصيل عالم الغيب من خلالها، فلا يمكن التحقق من صدق القضايا على هذا المستوى عقلاً، والاكتفاء بموقف السلف الذي كان يرى عدم الخوض في تأويل الآيات المتشابهات التي تتحدث عن هذا العالم، فهي من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. وهذا الحسم الذي نجده عند ابن الجوزي، ليس موجوداً عند الجاحظ، ومن هنا كان رفضه علم الكلام، فقد اعتبره محاولة من قبل علماء الدين للتفلسف، وهي مجرد آراء ظنية لا يقين فيها. وهناك بعض النصوص عند الجاحظ يقترب منها من هذا الموقف كرسالته في المعارف وأرائه في كتاب "الحيوان".

خامساً: يعتبر الاثنان الدين خطاباً متميزاً مختلفاً عن خطاب العقل [الإنساني]، فهما نسقان مختلفان في الغايات والأهداف. ولا يجوز إلغاء أحدهما لصالح الآخر وعلينا أن نفهم العقل هنا بإنتاجه العلم الرياضي والتجريبي، أمّا الإلهيات بما هي نتاج للعقل فهي موضع خلاف، إذ لا يجوز إقامة تكافؤ منطقي بين قضايا الإلهيات وقضايا العلوم الاختبارية، فهذه الأخيرة يمكن التحقق من صدقها تجريبياً والحسم بشأنها، أمّا قضايا الإلهيات فلا تخضع للحس والتجربة، ومن ثم هي آراء، وقضايا ظنية. وقصارى ما يمكن إثباته على هذا الصعيد مجرد الوجود الإلهي كما يرى ابن الجوزي. أمّا ما يتعلق بالصفات والأفعال، والقضايا الميتافيزيقية الباقية، فيجب الرجوع فيها إلى خطاب الأنبياء، الذي ثبت صدقه بالمعجزات.

3 - علم الأصول:

كان الإمام الشاطبي، المتوفى في نهاية القرن الثامن الهجري، معاصراً لابن خلدون، وقد وفّر له هذا الأمر ملاحقة التطور الذي حدث في علم أصول الفقه من القرن الثالث إلى القرن الثامن الهجريين، وكان من الطبيعي أن يتأثر علماء الأصول إيجاباً أو سلباً بحركة العلوم الاختبارية، بحكم أنهم كانوا مضطرين لتحديد موقفهم من العقلانية، كما يمكن أن تظهر في القياس والإجماع، وبخاصة عند أصحاب التعليل، فالتحقق من العلة قادهم إلى العلم الاختباري وموضع القياس جعلهم يتخذون موقفاً من المنطق. وبدءاً من الغزالي تسرّب المنطق إلى هذا العلم، وباتت المؤلفات الأصولية تبدأ بمقدمة منطقية.

رفض الشاطبي إدخال المنطق الصوري إلى علم أُصول الفقه، وسجّل اعتراضات جوهرية، نجدها عند ابن تيمية وابن خلدون وغيرهما، ومن ثم لم يكتف بالرفض وإنما حشد الانتقادات الكثيرة ضد النزعة الصورانية، وهذا الموقف جاء نتيجة حتمية لموقف معرفي آخر هو الاعتقاد بأنّ للعقل حدوداً لا يجوز له أن يتجاوزها، وهي حدود هذا العالم، بمعنى أننا لان ستطيع أنْ نحصل على معرفة يقينية إلا في حدود هذا العالم، أمّا عالم الغيب أو الميتافيزيقا، فلا يمكن الوصول إلى قضايا يقينية بشأنه،

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٥٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٥٩٠