تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنَّ التصور الإسلامي لا يكرس الصراع كقانون تاريخي مطلق كما تقدمه فكرة هنتنغتون، ولكن الصراع في التصور الإسلامي بمعنى التدافع ليس إلاَّ سنّة واحدة من سنن الاجتماع البشري إلى جانب سنن الله الأخرى، كما أنه له منطقه المختلف عن مفاهيم الصراع الأخرى، ولذا فإن الجهاد في معناه الواسع ليس صراعاً مع الآخر للقضاء عليه، ولكن أداة لحماية الدعوة ونشرها بين الآخر، ومن ثم فهو أحد أدواته حيث أداة التعاون السلمي تظهر إلى جانبه، ولكل من الأداتين ضوابطهما وشروطهما وليست إحداهما بديلة مطلقة للأخرى.

ولذا فإن القول: إنَّ أصل العلاقة بين المسلمين وغيرهم في التصور الإسلامي هو الحرب أو السلام ليس قولاً منضبطاً، ولكن القول الأفضل هو: متى تكون الحرب؟ ومتى يكون السلام؟ وهكذا يجب أن نقرأ المدارس الفقهية المختلفة حول هذا الموضوع بحثاً عن إجابة لهذا السؤال الأخير، وهو السؤال الذي يحتل في التصور الإسلامي مكانة السؤال في المنظور الغربي حول الصراع كمحرك بين من وعلى ماذا؟

من ناحية أخرى فإن هذا الصراع في صورته العسكرية أو السلمية ليس لتأكيد هيمنة قوم على قوم أو ثقافة على ثقافة أخرى، ولكن لتحقيق أهداف الدعوة والرسالة باعتبارها رسالة للعالمين، ليس بالإكراه والقسر والإجبار للشعوب والأمم، وعلى العكس فإن منطق صدام الحضارات في فكر هنتنغتون يعكس كل منطق التناقض بين عالمية الإسلام وبين هيمنة الحضارة الغريبة، أي عولمة النموذج الغربي. حيث إنه، أي فكر هنتنغتون، يعكس تكريساً لهذه الهيمنة وكيفية استمرار قوتها بأساليب إكراهية قسرية إجبارية.

إذاً إنَّ المفهوم الإسلامي عن نمط العلاقة بين الحضارات هو تعارف الحضارات "وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا"، وكذلك حوار الحضارات، حيث ينبني المفهوم الإسلامي عن حوار الحضارات على رؤية الأصول " قرآناً وسنة "، ويعكس الأسس المعرفية للرؤية الإسلامية، ومن ثم يختلف في جوهره عن المفهوم الغربي عن الحوار الثقافي أو الحضاري، كما لا بد وأنه يختلف في غاياته ودوافعه.

من هنا فقد سعت مجموعة الدول الإسلامية، وعبر إطارها التنظيمي، منظمة المؤتمر الإسلامي، إلى نبذها لقضية ما يسمى بصراع الحضارات انطلاقا من مبادئ دينها الحنيف الذي يدعو للتسامح والمحبة ونبذ العنف والتعصب، وذلك في أكثر من مناسبة داعية إلى إيجاد نوع من الحوار والتواصل بين الحضارات المختلفة، وقد عبرت عن ذلك في إعلان طهران مايو 1999، واجتماع واجادوجو يونيو1999، واجتماع باماكو يونيو2001 وكذلك اجتماع الدوحة أكتوبر 2001.

ملاحظات حول مقولة صدام الحضارات

إنَّ فرضية هنتنغتون في الصدام بين الحضارات تخفي داخلها فقراً فلسفياً واضحاً يبرز أولاً في رفضه فصل الثقافة عن الحضارة، واعتباره أنَّ الثقافة هي الفكرة العامة في كل تعريف للحضارة، ما انعكس بدوره على مفهومه عن الحضارة وربطه بالدين، وهذا خلل واضح إذ إنَّ استخدام مفهوم الحضارة، وبالتالي الدين بوصفه

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٥٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٥٨٤