تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه المؤشرات والمعطيات التي تضمنها تقرير صادر عن منظمة عالمية تؤكد فعلا مقدار الخطر الذي تحمله العولمة في أحشائها بالنسبة للثقافات غير الغربية أو غير الأمريكية، خطر القضاء على التعددية الثقافية والحضارية التي لا يمكن من دونها أن يتحقق الانتماء الإنساني والإثراء الحضاري للأمم والشعوب. فالتعدد والتنوع فطرة إنسانية جعلها الخالق سبحانه وتعالى لحكمة بالغة، وهي التعارف والتقارب والتعايش والبحث عن الأفضل مما لدى الآخرين والتكامل والتكافل. ومن دون ذلك ينحدر المجتمع الإنساني في هوة سحيقة من الأنانية وعبادة الذات مما يمهد للفناء والتلاشي.

موقفنا نحن المسلمين

لكن المبالغة في تقدير مخاطر العولمة بالنسبة لنا نحن المسلمين قد تكون دافعا نحو الاستسلام لتيارها والتعامل معها على أنها قدر لا مفر منه، وهو ما يتنافى مع عقيدتنا التي تمتلك من لوازم القوة والصلابة والصمود ما أوهى صخورا عاتية كثيرة في الماضي والحاضر وردت على أعقابها.

إن الإسلام جاء هداية للبشرية جمعاء، ولإخراجها من ظلمات الكفر والضلال والفتن والصراعات المقيتة إلى نور الهداية والاحترام المتبادل والتعايش السلمي بين الشعوب. وقد جاء دينا شاملا لكافة مجالات الحياة، رسالة جامعة للبشرية كلها، دونما إلغاء لخصوصياتها الذاتية، بل بإغنائها وتهذيبها من متعلقات الشرك والانحراف، وتقويمها ورسم أهداف سامية لها، إن موقف المسلم من العولمة ينبغي أن يكون موقفا متشبعا بهذه النظرة الإيمانية القوية ومسلحا بالتفاؤل وعاملا على خوض غمار العولمة بالوسائل التي يتيحها الدين الإسلامي الخاتم، وهي التحصين والتربية القوية والعلم والمعرفة، إذ من دون ذلك لم يكن المسلمون ليصمدوا في الماضي أمام الغزاة والمحتلين والمستعمرين، قبل أن يكون هناك ما يسمى بالعولمة.

فالعولمة ليست كائنا خرافيا تستحيل مواجهته، ولا آلة صماء لا يمكن تطويعها أو التعامل معها. إنها ظاهرة عالمية جديدة تطرح تحديات جديدة، وقد كان المسلمون باستمرار يجابهون الكثير من التحديات منذ أن ظهر الإسلام وأضاء نوره الكون، وكانت هذه التحديات بالنسبة لهم جديدة بمقاييس عصرهم وإمكاناتهم المتاحة، لكنها لم تكن مخيفة أو تعجيزية بالنظر إلى الشحنة الإيمانية القوية التي كانوا يخوضون بها لجج المعارك الحضارية الكبرى.

وربما كان جزء كبير من تخوف المسلمين اليوم من ظاهرة العولمة عائدا إلى أمرين أساسيين: الأمر الأول عدم العودة إلى تاريخنا الإسلامي العظيم وسجله الضخم وقراءته قراءة فاحصة وتدبر دروسه ومواعظه. والأمر الثاني انهيار المعنويات النفسية والشعورية والإيمانية للمسلمين، حتى كاد العالم الإسلامي اليوم تتحقق فيه مقولة القابلية للاستعمار التي وضعها مالك بن نبي - رحمه الله - لوصف النفسية الإسلامية في فترات معينة من القرن العشرين أمام الاحتلال الأجنبي لأقطار المسلمين.

وهناك أمر ثالث يثار عند المبالغة في التخوف من ظاهرة العولمة. فهذه المبالغة قد تعود أيضا إلى الاعتقاد الواهم لدى فئات من المسلمين بأنهم لا يملكون ما يقدمونه للعالم، بينما يملك العالم ما يقدمه للمسلمين، وهذه مقولة خاطئة تعود إلى العاملين

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٥٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٥٦٤