ويوجهون هذا كله توجيهًا مغرضًا مسمومًا يؤيد اعتقادهم السابق عن الإسلام وكتابه ورسوله وأصحابه وأمته .. كأمثال المبشرين: جرجي زيدان، وفيليب حتى، وسلامة موسى ..
والماركسيون الشيوعيون .. يفسرون التاريخ - وفقًا لفلسفتهم المعروفة - تفسيرًا ماديًّا طبقيًّا، ويحاولون أن يطبقوا ذلك على نشأة الإسلام وظهوره، ويسفُّون في ذلك غاية الإسفاف، ويحمّلون الوقائع والأحداث ما لا تحتمل، ويقسِّمون الصحابة - رَضي الله عنهم - إلى يمين ويسار، ويديرون صراعًا موهومًا بينهم ..
وكثيرٌ من كتّاب المسلمين أنفسهم - ويا للأسف - يخلعون على حوادث التاريخ، ومواقف رجاله ما عرفوه وخبروه من ألاعيب السياسة، ومواقف رجالها في هذا .. ويتخيّلون العلاقة بين عمر وخالد، أو بين عثمان وعلي، أو بين علي ومعاوية وطلحة والزبير - رَضي الله عنهم جميعًا - من أمثال العلاقة بين الطامحين والطامعين من رجالات الأحزاب، وتجّار السياسة في عصرنا، ويفسِّرون المواقف والأحداث تبعًا لهذا التصور الظالم، والمتجنِّي على هذا الجيل المثالي الذي لم تكتحل عين الدنيا برؤية مثله، بل عقمت أم التاريخ أن تلد جيلاً مثل هؤلاء!!
والقوميون من العرب .. يوجهون التاريخ الإسلامي كله وجهة قومية بحتة، فالإسلام في نظرهم انتفاضة عربية أو وثبة من وثبات العبقرية .. ورسول الإسلام - صلوات الله وسلامه عليه - بطل قومي، جادت به أمة العرب على الإنسانية!!
فمن الطبيعي بعد هذا التفسير المشوّه للتاريخ أن يغدو أبطال الإسلام، وعلماؤه، ورجالاته الكبار على مدار الزمن في نظر هؤلاء أبطالاً عربًا، وأن تُسمى الحضارة الإسلامية أيضًا "حضارة عربية" .. وذلك لقطع الصلة بين العرب وبين الإسلام .. علمًا بأنه لولا الإسلام لما كان للمسلمين في التاريخ بطولات ولا حضارة ولا أمجاد .. ورحم الله الفاروق عمر أمير المؤمنين القائل فيما رواه الحاكم: "نحن قومٌ أعزنا الله بالإسلام؛ فمهما ابتغينا العزة بغير الإسلام، أذلنا الله".
فعلى الداعية أن يحذر مثل هذه التشويهات والتفسيرات للتاريخ الإسلامي، بل عليه أن يحذِّر الجيل المسلم من أن يقعوا في شراكها، ويتأثروا بمفاهيمها ..
================
في التاريخ .. فكرة ومنهاج
صحوَة ليسَ بَعدَهَا سُبَات:
لو كان مقدرًا للعالم الإسلامي أن يموت .. لمات في خلال القرون الطويلة التي مرت به، وهو مكبل بالقيود وهو في حالة إعياء عن الحركة، بعد أن حمل عبء الحضارة الإنسانية طويلاً، وبعد أن تعب فاسترخى ونام، والاستعمار الغربي إذ ذاك فتى، فتهيأت له الفرصة، ودانت له معظم أطراف الأرض. وكان ثقله كله على صدر العالم الإسلامي النائم!
لو كان مقدراً للعالم الإسلامي أن يموت .. لمات في خلال فترة الاسترخاء والإعياء. وفي إبان فتوة الاستعمار وقوته ... ولكنه لم يمت ... بل انتفض حياً كالمارد الجبار، يحطم أغلاله وينقض أثقاله، ويتحدى الاستعمار الذي شاخ.