تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويعود التتار بعد غزوهم الوحشى إلى القلاع الحصينة التى كانت قد استعصت عليهم، ليفتحوها بعد قتل وأسر وسبى ونهب وتدمير وإحراق، ويتجهون إلى "خراسان"، فأخذ أهلها يقاتلون ببسالة وشجاعة ليلا ونهارًا، حتى قتلوا من التتار خلقًا عظيمًا، فاشتكى التتار إلى جنكيز منعتها، فسار إليها بنفسه ومن معه، ولما عجز عنها أمر بجمع أكبر قدر ممكن من الحطب، فكان يضع صنفًا من الحطب وصنفًا من التراب، حتى صار هذا الحطب بارتفاع القلعة، فدخلها التتار وفر المقاتلون المسلمون منها، فسبى التتار النساء ونهبوا الأموال وانتهكوا الأعراض، واستولوا على "غزنة" وبلاد "الغور"، ويشاء الله أن يواجههم "جلال الدين بن خوارزم شاه" ومعه من سلم من عسكر أبيه فى "بلق" وأن ينهزم التتار بعد معركة حامية، ويغنم المسلمون ما مع التتار، ولم يكن قليلا بل كان كثيرًا وعظيمًا.

والتقى التتار مع المسلمين ثانية عند "كابُل" وكان النصر للمسلمين، فغنموا من الغنائم ما غنموا، وفكوا أسراهم واستنقذوهم من أيدى أعدائهم الذين لارحمة فى قلوبهم ولا إنسانية.

وكان كل شىء يوحى بأن التتار مصيرهم إلى الانهيار، وأن المسلمين سوف يعلو أمرهم، ويعود لهم مجدهم من جديد، لكن فتنة الغنائم والأموال قضت على وحدة الصف، وفرقت الشمل، فنجد أميرين من أمراء الخوارزمية يختلفان على الغنائم ويقتتلان، وتمتد اليد الآثمة، فتقتل أخا الأمير "سيف الدين"، وهو ممن أبلوا بلاء حسنًا فى حرب التتار، ويغضب "سيف الدين" لمقتل أخيه بعد أن هزم التتار وكاد يقضى عليهم، ويفارق الجيش، ومعه ثلاثون ألفًا، سار بهم إلى الهند، ويحاول "جلال الدين بن خوارزم شاه" إنقاذ الموقف؛ فذهب إلى سيف الدين، وذكره بالجهاد، وخوفه من الله، وبكى بين يديه وقبلهما، لكن ذلك لم يؤثر فيه، ولم يجعله يتراجع.

ولما يئس "جلال الدين" وقل العدد معه، أخذ من معه من الجند وسارعوا نحو الهند، وحاولوا عبور النهر، فلم يجدوا سفنًا، فأدركهم "جنكيز خان"، وقتل "جلال الدين" ومن معه، ثم سار إلى خوارزم، فخربها ودمرها.

وهكذا يكون لشهوات النفس والثأر لغير الله أثر كبير فى ضياع ملك المسلمين وتخريب ديارهم.

لقد تم بذلك لجنكيز خان مملكة عظيمة واسعة مترامية الأطراف تبتدئ شرقًا من بلاد الصين، وتنتهى غربًا إلى بلاد العراق وبحر الخزر وبلاد الروس، وجنوبًا ببلاد الهند، وشمالا بالبحر الشمالى.

تم كل ذلك فى مدة قصيرة مما جعل المؤرخ "ابن الأثير" وقد عاصر تلك الأحداث، يقول: "لقد جرى لهؤلاء التتار ما لم يسمع بمثله فى قديم الزمان وحديثه، طائفة تخرج من حدود "الصين"، لاتنقضى عليهم سنة حتى يصل بعضهم إلى بلاد "أرمينية" من هذه الناحية ويجاوروا العراق من ناحية "همذان"!

وتالله لا شك أن من يجىء بعدنا-إذا بَعُد العهد-، ويرى هذه الحادثة مسطورة ينكرها، ويستبعدها، والحق بيده، فمن استبعد ذلك فلينظر أننا سطرنا نحن وكل من جمع التاريخ فى أزماننا هذه، فى وقت كل من فيه يعلم هذه الحادثة، استوى فى معرفتها العالم والجاهل لشهرتها".

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٢٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٢٢٣