أفرأيت قط ألفاظ الجمال والقبح تشيع في أمة من الأمم، وتعلو بالأعين عن النساء وتنزل وتمتد
22
بها وتتقبض، إلا أن تكون أمة ضعيفة القوة قد اختلت أجسامها، أو ضعيفة الدين قد اختلت أرواحها.
23
انكشف القمر ذات ليلة لرجل اسمه «من عباد الله المقربين»،
24
فإذا البدر أسود كالحبر، وإذا هو مكتوب في وسطه بالنور «أنا وحدي»؛ فالقمر نفسه لم يمنعه كل ضياء الشمس عليه أن يسود في عين الرجل الذي ينظر لروحه، فما الذي يمنع من ينظر لروحه وخصائصها أن تصير المرأة القبيحة في عينه كالقمر الأزهر؟ •••
في البدر ظهرت كلمة الألوهية «أنا وحدي».
وفي وجه الحسناء تقرأ كلمة الألوهية «أنا وحدي».
فهل يمكن أن تقع الدميمة من الحسناء أقبح ما يقع ظلام القمر من نوره، فلا تكون في وجهها هي أيضا كلمة الألوهية «أنا وحدي»؟
لم يبق في البدر مع الحكمة العليا شيء يسمى الجمال.
ولا المرأة الحسناء يكون فيها شيء أجمل من القمر، فهي مثله ليس فيها مع تلك الحكمة شيء اسمه الجمال.
أفيمكن أن يكون مع الحكمة نفسها في وجه القبيحة شيء اسمه القبح؟ •••
للقمر طالع مشرق كما كان.
والجميلة الحسناء لا تزال فاتنة.
والدميمة ظاهرة كما هي.
لم ينقص الكون من ثلاثتها شيء.
ولكن أين عين الرجل الكامل؟
| هوامش
الفصل الحادي عشر
| الدين ولادة ثانية1
«قال صاحب المساكين»: عرفت فيمن عرفت من أصناف الناس أربعة تجري أمورهم في نفسي على غير مجاريها في أنفسهم، وأرى من طبيعتهم موضع الغفلة والحمق فيما يرونه أو يحسبونه موضع السداد والحكمة.
فالأول:
رجل ملحد أديب معني بجمع الكتب يتعلق بكل نفيس منها، وهو يزعم أنه تأمل الأديان فلم يجد طائلا في شيء، وأن له في كل دين ظنة على ريبة، ونقدا على مسألة، وثانية على أولة،
2
وأنه تبدل الدين بالخلق،
3
فما خسر شيئا وربح الحقيقة، ثم يحذو بعد على هذا الحذو كما يفعل الملحدون في صفة أنفسهم، وهم دائما لا يأخذون من الكلام إلا بملء اليدين؛ إذ من العجيب أن لا تقع لهم الكلمة الصحيحة المفردة.
هذا الذي خرج من الأديان ومن نهيها وأمرها إلى الأخلاق وعهدتها وأدبها، قال لي ذات يوم وقد خضنا في أمر الكتب: إني لأمقت السرقة والغصب والخديعة، ولا أبيح منها شيئا ولا أمرها لأحد! غير أني إذا وجدت كتابا نفيسا وعجزت عنه أو ضاقت به ذات يدي، ثم أمكنتني فرصة من الغفلات لم أتورع أن أسرقه، ولو غصبت ولو خدعت.
قال هذا فلم أفهم من كلمته شيئا، إلا أن لقب «اللص» يكون من الشرف أحيانا بحيث يسمو كثيرا على الرجل الملحد.
والثاني:
رجل، متفلسف انقلبت عقيدته إلى زيغ، فله رأيان في أمور الحياة: واحد ينزع فيه إلى طبيعته فيستمتع ما وجد متاعا في حرام أو حلال وفي معروف أو منكر، والآخر يرجع به إلى ضميره الإنساني، وما هو الأشبه بعلمه وعقله وفلسفته فيألم ويتململ إذ يرى أنه لا يزن من لذاته لا بمقادير الخير ولا بمقادير الشر، وأنه يبيح لنفسه ويحرم على غيره؛ فإنما الرأي والحق والعدل أن لا ينطلق في كل إنسان تاريخه الوحشي كما يفعل هو ليقوم النظام على أصوله، وتتحقق الإنسانية في أهلها، ولو فعل الناس ذلك فوسعتهم الفلسفة لما وسعتهم الطبيعة، بل هي تسرع حينئذ فتطلق لكل حيوان مع أكيلته التي يغتذي بها آكله الذي يغتذي به.
لم أفهم من فلسفة الرجل أنه فيلسوف، بل عرفت من علمه أن الرجل من الناس قد يكون سافلا حتى من الجهة العالية فيه، وقد يكون فاسدا حتى من بعض جهاته الصالحة.
والثالث:
رجل يزعم عند نفسه أنه مصلح، ويتولى أمور الناس فيداورها ويلتمس لكل شيء مأتى يتسبب منه إلى إصلاح فيهم، حتى إذا وثق الناس به واستكانوا إليه وصاروا في حال الغرة وفي قياد الأمن، صدعهم في أديانهم وأخلاقهم، وركبهم بمزاعمه وخرافاته، وبث أوهامه في مذاهب أقدارهم وتصاريف أمورهم، وظن الدين كلمة يضع في موضعها كلمة غيرها، وحسب اليوم من أيامه في عمل الدهر كاليوم من أيام الله في خلق السموات؛ فهو يطرد الأزمنة، ويمحو العادات، ويغير الطباع، ويسن لفروع الشجرة سنة جذورها، فلا يذهب الفرع طالعا بل يغور نازلا، ثم يريد أن يقيم على طريق التاريخ مجازة أو قنطرة ليمشي بالناس فوق التاريخ، فيقطع بهم ألف سنة في ألف يوم، وكأنه زاد في الطبيعة ناموس نهيه وأمره.