وفيها من الظبي التلفت والذعر
وما قيمة الحسناء يقبح حظها
وتذوي بروض الحب أيامها الخضر
من الحسن معنى يهلك الحسن عنده
كما أهلك الأزهار أن يؤخذ العطر
فما الحسن فخر للحسان وإنما
لخالقه فيما يريد به سر •••
ضعيفة أنفاس المنى بعدما غدت
رقاب أمانيها يغللها الفقر
وبين خطى أيامها كل عثرة
يزلزل أقدام الحياة بها العسر
وزجت بها الأحزان في بحر دمعها
وليس لبحر الدمع في أرضنا بر
يقاذفها موج الليالي وما لها
سوى زورق واه يقال له العمر
وما التمست رأس الرجا عند صخرة
فكان سوى رأس الردى ذلك الصخر
إذا استنبئوها أرسلت من دموعها
لآلئ حزن كل لؤلؤة فكر
وإن سألوها لجلجت فكأنما
عرا اللفظ لما مر من فمها سكر
مشردة حيرى تنازع نفسها
فريقان ذل لم تعوده والكبر
وما قتل الذل امرأ من عبيده
وكم من فتى يرمي بهامته الفخر
ولو أنصف الإنسان في قدر نفسه
رأى قدرها أن لا يهون لها قدر
فلا تتساءل كيف تقعد وادعا
ولكن تساءل كيف يسعى بك الذكر
وكن رجلا كالضرس يرسو مكانه
ليطحن لا يعنيه حلو ولا مر
ولا تتوقع أي جنبيك واقع
إذا انطبقت يوما حوادثها النكر
ولكن تلق الدهر غير مفزع
بصدرك ولتعر الخطوب كما تعرو
فعز الحسام الهندواني صدره
وذل العصا أن العصا كلها ظهر
ولن يهن الحر انتضى عزماته
وصال بها من صبره الخلق الحر
وإن تغلب الأبطال في كل حومة
فما عرفت حرب بها غلب الصبر •••
وليلة هم ما يطير غرابها
ولا انحط من وكر الصباح له نسر
تطل عليها الشهب أعين نقمة
تطاير فيما بينها النظر الشزر
ويزفر فيها الليل زفرة مارد
تطير لها من برقه الشعل الحمر
ويخفق في أحنائها كل عاصف
خفوق فؤاد بات يسلمه الصدر
ويغضب من آثامها الموت غضبة
يرج لها في كل ناحية قبر
دخانية هوجاء لو مد نقعها
لقام على وادي الجحيم بها جسر
وأهون ما في أرضها وسمائها
على الناس هاتيك الحزينة والبدر
18
ثوت تحتها تلك الفتاة عليلة
تئز كما أزت على نارها القدر
وفي غرفة مما بنى الله لا الورى
فليس على من حل ساحتها أجر
جوانبها شرق الظلام وغربه
وفي سقفها ضاءت كواكبه الزهر
ممددة كالسطر في صفحة المنى
وأطمارها تبدو كما «شطب»
19
السطر
فإن يك أهل الأرض أرقام حاسب
فتلك وراء العالمين هي الصفر •••
رمت عينها يمنى ويسرى فلم تجد
على الأرض خلقا ليس في جنبه غدر
رأت كل مخزاة من الشر تلتوي
ويهرب ذعرا من جنايتها العذر
رأت أثرا تدمي به الأرض والسما
وليس سوى الإنسان في جرحه ظفر
رأت ذلك الإنسان يطغى بعلمه
ويجهل أن العلم عن جهله زجر
أليس يرى الإنسان في القرد شبهه
فهل ذاك إلا من تكبره سخر؟
كما عاقب الله الأسود لكبرها
فجاء لنا في صورة الأسد الهر
رأت هذه الحرب الضروس كأنها
مراحل يطويها من الزمن الحشر
وما حمد الشيطان للناس مثلها
ولا كان للشيطان في مثلها شكر
وما الحرب إلا رجفة الأرض رجفة
يموت بها عصر ليحيا بها عصر
وما الحرب إلا مطرة دموية
إذا دنست روح الورى فهي الطهر
وما الحرب إلا غضبة الله لامست
مخازي هذا الدهر فانفجر الدهر
فيا رب جلت هذه الحرب محنة
على الناس لا الإيمان منها ولا الكفر
ففي كل نفس غصة ما تسيغها
وفي كل قلب كسرة ما لها جبر
وبين شفاه الناس للناس لعنة
إذا لم يثرها الحق ثار بها الخسر
وما لوت الأسياف في الأرض عروة
من البغض إلا والرءوس لها زر
فلا تخدعوا الإنسان عن نزغاته
فما الناس إلا ما أساءوا وما سروا
وكم قيل «إنسانية ومحبة
وعلم وتمدين» وأشباهها الكثر
فيا قدرا يجري دماء ويلتظي
سعيرا أذاك الحب أنت أم الهجر؟
ويا هذه لا تجحدي إنما الورى
كما خلقوا والمكر بعد هو المكر
وأين من الناس الكمال ولم نزل
نرى السود سودا ليس يغسلهم بحر
ولا بد من ضدين في كل حالة
وبينهما إما النجاة أو الأسر
بذلك يجري الغيب إن طار أو هوى
فإن جناحيه المنافع والضر
فلا تطمعي أن تغفل الأرض أهلها
ولا مد فوق الأرض إلا له جزر
ولا تطمعي أن «يرفع» المال أنفسا