تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن ثم كان الإيمان الصحيح حرية صحيحة؛ لأنه يعصم من ضروب الذل كلها، وكان منفعة خالصة؛ لأنه الحد القائم بين النفس وشهواتها، وكان عزاء نافعا؛ لأنه العقل السماوي الذي يلهم الإنسان حكمة كل مصيبة، أو يلهمه الثقة بالحكمة التي يجهلها، ولو أن للفضيلة عبادة لكان لها من أخلاق كل رجل صحيح الإيمان مسجد تعبد الله فيه!

ولا يصح إيمان المرء حتى يتبين لنفسه طريقا إلى ربه، فيرى كأن قطعة من السماء في باطنه تضيء له الحياة، ومتى عرف هذه الطريق وامتد بها ضميره إلى حيث يتصل بجلال الله، فمن هذه الطريق نفسها يرد مصائبه إلى الغيب كما جاءت من الغيب؛ لأن للقدر طريقين: فواحدة يندفع منها، وهذه لا تعرف إلا بعد أن تقع الواقعة فتدل عليها بنفسها، والأخرى هي التي ينصرف إليها القدر في حركة الدهر، وهذه لا يوفق إلى معرفتها غير السعداء، ومن كتب الله لهم أن يكونوا مظهر حكمته أو مظهر حمده.

فقوم يجدونها في إيمانهم الوثيق، وآخرون يصيبونها في حكمتهم البالغة، والمؤمن إنما هو صورة قلبية من الرجل الحكيم، والحكيم إنما هو صورة عقلية من الرجل المؤمن، فإذا نزلت بأحدهما المصيبة، وبلغت منه ما لا يبلغ الصبر، فتح لها طريق السماء في باطنه فيبصرها كأنها مدبرة، والمصيبة متى وجدت كالحياة متى ولدت، لا محل للعقل أبدا في أولها، فإن هي ذهبت مدبرة اعترضها المرء على عينه فتنكشف له عن معناها، فيتبين حكمة الله منها، ويرى حينئذ كيف تنقح يد الله في تاريخه.

وما أرى المصائب في نظام الكون إلا حركات ظاهرة تسير بها نعم مجهولة لا تزال من وراء الغيب، وكثيرا ما يكون من هذه المصائب ما ينبه الله به الناس من غفلاتهم حتى لا يقعوا في أشد منها إذا تركوا لما هم فيه؛ فليست النازلة هي المصيبة، ولكن المصيبة من جهلنا وضعفنا؛ ألم تر إلى كل نعمة مع الجهل والضعف كيف تحمق

5

وتضعف حتى لا تكون مع صاحبها إلا قريبا مما تكون المصيبة مع صاحبها؟

قال «الشيخ علي»: والحقيقة يا بني أن من لم يكن كفؤا لما يناله هلك بما يناله؛ فالحظ توفيق، والتوفيق أن لا يكون لك إلا ما تصلح له، فأنت بذلك مطمئن، ومن ثمرة الاطمئنان الرضا، ومن غاية الرضا أن تستمتع بما أنت فيه؛ فأيما رجل أصاب فاطمأن فرضي فاستمتع، فهذا هو ذو الحظ وإن كان عند غيره لم يصب إلا قليلا، ولم يطمئن إلا من ضعف، ولم يرض إلا من عجز، ولم يستمتع إلا بأهون المتاع.

إن كل امرئ يريد لنفسه لا لسواه، وإن أول التوفيق أن تريد ما يصلحك، وأول الخذلان أن تريد ما لا يصلح لك، وما الطمع إلا فقر حاضر ولو كان طمع الغني.

وإن هذه النفوس لتبلى من طول ما يلبسها قدر ويخلعها قدر؛ فلقد رأيت غير الموفق حين يجور في إرادته، ويضل في مسعاته، ويلتمس من الغيب ما يقدر لنفسه دون ما قدرت له نفسه؛ لا يبرح يكد ويسعى، وكلما لبس حالة من دنياه فاضت عليه فخلعها، أو ضاقت عنه فخلعته، ولا يزال ذلك من دأبه ودأب القدر معه حتى يهن ويضعف ويصير إلى البلى في نشاطه وحزمه، وفي طماحه ورغبته، وقد أنفق من حياته ما لا يرد في ابتغاء ما يدرك، وهذا كله هلاك بطيء يأتي على العمر، وما العمر بمقدار الزمن الذي تعيش فيه، ولكنه مقدار ما توفق من عيشك.

وهل سمعت برجل كان يحفر قبره منذ عقل معنى الموت، وقد نذر أن لا يحول عنه، ثم لم يزل يوسع الأرض من عمله، ويفسح في جوانب هذا القبر، وعمر طويلا، وغبر على ذلك دهره، حتى أصبح قبره يأكل القبور أكلا،

6

ثم أدركه الموت فانطرح فيه رمة بالية، فإذا هو لا يملأ من جوفه عمل يوم واحد مما كان يعمل، وبقيت الحفرة كأنها فم مفتوح تصيح منه الأبدية: أين الميت العظيم الذي أعد كل هذا لجيفته؟ وما بال هذا الساعد وما بال هذا المنكب؟ وفيم كان ذلك العمل؟ وما هذا النبوغ الميت الذي ضاعت فيه الحياة، ولم يعظم به الموت؟

كتاب المساكين · الصفحة ٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كتاب المساكينص ٦١