فأما أن يكون من ذلك التاريخ القديم الذي تمليه قدرة الله على الطبيعة، ثم لا يكون إلا كالطبيعة نفسها في النظم والنسق، ولا يجيء الإنسان الجديد فيه إلا طباقا أو ناسخا أو منسوخا؛ فهذا هو موضع النفرة ومكان الأذاة، ومنه مثار الهم وإليه مسرب الدمع، وذلك والله معنى إن لم تنشأ منه تعاسة الإنسان فهو على كل حال من تعاسته.
الإنسان كله يا بني منطو في رأسه، وما هذا الجسم إلا أداة، منها ما يحمل الرأس، ومنها ما يحمل إليه، ومنها ما يحمل عنه؛ فالجسم دابة من الدواب لا أكثر ولا أقل، والرءوس لا يمكن أن توزن بميزان حتى يعلم فرق ما بين رأس ورأس آخر، فالإنسان مختبئ محجب، وكأنه لا يزال منه جزء عند الله، فما ينفك يجد من نفسه ما يبعثه على النزوع إلى الغيب والفكر في المستقبل؛ لأن هذا المستقبل تمام له، ولا يبرح يشعر بالحياة شعور المتألم أو المتعب أو المكدود أو المغيظ أو المفزع أو أي ما يكون من أشباهها؛ لأن هذا الحاضر غير تام به ولا كامل معه، وليس ذلك بعجيب، ولا من العجيب أن يألم الإنسان لحياته؛ ألا يرى أنه في جسم لا راحة للروح إلا بعد تحطيمه؟
ومن ههنا تفاوت الناس؛ فمنهم من تراه كأنه يحاول أن يكشف عن جزئه الذي في الغيب ويصل بينه وبين حاضره، فيتوهم في الحياة ما ليس فيها ويسخرها لأوهامه باطلا، ومنهم من يقبل على شأنه ويأخذ الحاضر بما فيه، ويعرف أنه حي ولكن على شروط لا بد منها للحياة.
فأما الجاهل الأحمق المخدوع فكأنما يرى في مرآة خياله الغيب كله، أو ما يظنه الغيب كله، فلا يعدو أن يسترسل في ظنونه وأوهامه استرسالا أشبه بالأبد الذي لا حد له؛ ومن ثم لا يرضيه شيء ما دام في هذه الحياة شيء لا يرضيه، ولا يقنعه شيء ما دام في الدنيا شيء لا يناله، وكل مصيبة يخشاها أو يتوقعها فكأنما هي نازلة به أو قد نزلت، وعنده أن كل ما يمكن أن يكون فينبغي أن يكون، وما هو جائز فليس ما يمنع أن يكون واجبا، وما قيل إنه غير جائز فهو غير مستحيل، وما الذي يمنع أن تخسف به الأرض، أو تقع عليه السماء، أو ينحدر إليه رجم من الشهب، أو ينهتك حجاب قلبه،
21
أو يسل البلاء خيط عظامه، أو يخالط جوفه كل داء دوي، ثم ما شئت من «أو» بعد «أو» ... إلى أبعد حد مما انتهى إليه أهل الفقر في الفقر، وأهل الأمراض في الأمراض، وأهل الأحزان في الأحزان، وأهل المصائب في المصائب؛ فيذهب العمر باطلا بالذي عليه والذي له، ويجني هذا الإنسان على نفسه من أثر الخوف والطمع ما لا يستقيله أبد الدهر، فلا يهنأ بموجود، ولا يطمئن إلى مرجو، ولا تكون آماله إلا مخاوف مستبهمة لا مأتى لها من الحقيقة، فيجد روح التعاسة في أشياء كثيرة، ولا يكاد يصيب العزاء في شيء قليل!
وهنا يا بني الحفرة التي يقبر فيها بعض الأحياء ليعيشوا عيشة وهمية، أو ليموتوا موتا وهميا، تلك الحفرة التي يقضي الأحمق شطرا من عمره واثبا في الأوهام بين شاطئي الدنيا والآخرة، حتى إذا انتهى إليها تردى فيها، وكان الرأي لو ادخر لها بعض تلك الوثبات.
وأما الحكيم الذي يعرف الحياة كما يمكن أن تكون، ويعرف أن كل حي من الناس فإنما هو حي على شروط لواهب الحياة، ثم للحياة نفسها، ثم لأهل الحياة؛ فهو أدرى بالمصائب من ذلك الأحمق، ولكنه لا يثيرها ولا يبحث عنها ولا يمتلق لها العلل
22
من نفسه، ولا يعترضها في غيره، وما نزل به منها فإنه يفتح لها من قلبه سبيلا تمر فيه بين العزيمة والجرأة، وإلا فبين الثبات والصبر، وإلا فبين التوكل والإيمان، وما أهون مصيبة تفتح لانصرافها ثلاث طرق واسعة!
وهذا الحكيم يجد في محنته لذة تشبه لذة الدرس لمن همه الحكمة واختبار الأشياء ومعاناة خواصها وأسرارها، كأنه من مصائبه في «معمل» للتجربة والاختراع؛ فإنما هو يتلقى عن الله ما لا يصيبه به إلا هو، وما لا يصرفه عنه إلا هو، وإنما يستعمل رأسه للفهم لا للوهم، وهو يعرف أن علم الله أزلي يسع الأزل كله، وأن الأقدار من علم الله فهي مقسومة على الدهر كله، وأنه هو في جانب الدهر لا يبلغ أن يناله ما تنال الشرارة من ماء البحر إذا هي انطفأت في البحر.