هذا هو الشيخ علي الذي أوحى إلى الرافعي كتاب المساكين، ونسب إليه القول فيه ورده إلى إلهامه، وهو عنده النموذج الكامل للرجل السعيد والفيلسوف الصحيح.
وقد فرغ الرافعي من كتاب المساكين في سنة 1917، وفرغ الشيخ علي من دنياه بعد ذلك بقليل، ولكن روحه ظلت تعمل في نفس الرافعي وتملي عليه وتلهمه الرأي إلى آخر أيامه بعد ذلك بعشرين سنة. والواقع أن الرافعي كان يؤمن بفلسفة التسليم والرضا فيما لا طاقة له به، إيمانا كان مادة حياته ونظام عمله، وإيمانه ذاك هو الذي كان يفيض عليه أمارات المرح والسرور حتى في أعصب أوقاته وأحرج ساعاته، فكنت لا تراه إلا مبتسما أبدا، أو ضاحكا ضحكة السخرية والاستسلام. •••
كتاب المساكين الذي يقول عنه المرحوم أحمد زكي باشا:
لقد جعلت لنا شكسبير كما للإنجليز شكسبير، وهيجو كما للفرنسيين هيجو، وجوته كما للألمان جوته.
هو كتاب اجتمع على إخراجه سببان: أهوال الحرب التي حطت على مصر بالجوع والقحط والغلاء، والشيخ علي الجناجي.
محمد سعيد العريان
إلى صاحب «المساكين»
لقد جعلت لنا شكسبير كما للإنجليز شكسبير، وهيجو كما للفرنسيين هيجو، وغوته كما للألمان غوته.
أحمد ذكي باشا
| صفحة من كمال النبوةوأخلاق سيد الخلق
كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم
يقول في بعض دعائه: «اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين.» فقال له أنس بن مالك رضي الله عنه: يا رسول الله، إنك لتكثر من هذا الدعاء! قال: «يا أنس، إن رحمة الله لا تفارقهم طرفة عين.»
1
وخير - عليه الصلاة والسلام - أن يكون له مثل أحد
2
ذهبا، فقال: «لا يا رب، أجوع يوما فأدعوك، وأشبع يوما فأحمدك.»
| هوامش
| صفحة من الغيب
لما أجمعت النية على طبع هذا الكتاب طبعته الأولى، رأيت فيما يرى النائم أني في دار الطبع التي اخترتها له، وقد سألني جامع الحروف أن أكتب المقدمة ليبدأ منها، فكتبتها ثمة ودفعتها إليه، ثم استيقظت وما برحت تدور على لساني، وتالله إن خرمت
1
منها حرفا؛ وهذه هي بنصها وكأنها فاتحة الكتاب من قلم الغيب:
هذا كتاب المساكين، فمن لم يكن مسكينا لا يقرؤه؛ لأنه لا يفهمه،
2
ومن كان مسكينا فحسبي به قارئا والسلام.
الرافعي
| هوامش
| صفحة من الحكمة
قال الفيلسوف ديوجينيس الكلبي - وهو ذاك الذي رآه الإسكندر الأكبر فقال فيه: «لو لم أكن الإسكندر، لوددت أن أكون ديوجينيس.»:
ينبغي أن تقدر ثروة الإنسان لا بأمواله ومستغلاته؛ بل بعدد الأشياء التي يستطيع أن يعيش غير محتاج إليها.
1
| هوامش
| مقدمة الطبعة الثانية
وضعت هذا الكتاب من إحدى عشرة سنة،
1
ولو استوى له أحد عشر قرنا، ثم كتبت له يومئذ مقدمة، لكان هو هو كما أصفه اليوم، كتاب ليس له قبل وليس له بعد؛ فهو دائر مع النهار والليل على معنى آخره في الإنسانية أوله، معنى إذا قلت فيه إنه يجيء مع كل مولود، فقد قلت إنه لا يموت مع أحد من الموتى.
ستقرأ في الكتاب وصف «الشيخ علي» الذي أسندت إليه الكلام، وجعلته فيما أستوحيه كالخيط من شعاع السماء تهبط عليه تلك المعاني التي خلد عليها جمال الخلد؛ «فالشيخ علي» هذا هو رمز في كل دهر لثبات الجوهر الإنساني على تحول الأزمنة في أشكالها المختلفة؛ ومن ثم تعيش مع الإنسانية معاني هذا الكتاب، فهو من روحها صورة وحلية وجاذبية. ومن عجيب الحكمة أنه ما من نبي أو حكيم أو شاعر يترجم إلى لسان الحياة ما هو أسمى من الحياة، إلا استمد ذلك من مساكين الحياة خاصة؛ هم أبدا السحابة المستوية المخيلة لمطر العواطف
2
على جدب الروح الإنسانية في الأرض، ولعلهم لذلك يتراكمون في الحياة من سواد كالغمائم، ويتشققون من نار كالبروق، ويجلجلون برعود يئنون فيها، ويتبجسون بمطر يبكون به.
3
وأعجب من ذلك أنك لا تجد من شيء يحدث من ذي نفسه مثل هذا الأثر،