تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذن فلا بد في كل شيء إنساني من حقيقة باطنة في نفس الإنسان تعطيه بصحتها أو مرضها قوة اللذة أو الألم، وبهذا يقضي العدل الإلهي كل ذي حق حقه بالنصفة والسوية، لا فرق بين الغني في غناه وبين الفقير في فقره، فلكل منهما لذة وألم. ولعلنا لو سألنا أغنى الناس عما هي لذة الغنى، لرأيناه في حقيقة التعاسة النفسية كأفقر الناس إذا أجابنا عما هو ألم الفقر.

وقد فطر أكثر الخلق - لطبيعة الخوف المتمكنة منهم - على أن يتسعوا في فهم الآفات وحدها، حتى صار الوهم الخيالي أكبر الآفات الحقيقية؛ فالفقير الذي لا يفهم حقيقة الفقر يتألم بإدراك ووهم وفلسفة؛ إذ يقيس حاضره على ماضيه وعلى ماضي غيره من الفقراء، ويقيس مستقبله على حاضر الأغنياء ومن في حكمهم فقط؛ وبهذا يكون ألمه عملا عقليا في شيء موهوم، فما دام يتمنى أكثر مما يستحق فهو يتألم بأكثر مما يستحق، ولو تأمل الناس لرأوا أن نصف الفقر فقر كاذب. فآه لو كان مع ضعف الفقر قوة الإرادة! إذن لوجد الحكماء في الأرض شيئا حقيقيا يسمونه الغنى.

أيها الناس، إن الفصل بين الغنى والفقر من الأمور التي تتعلق بالضمير وحده، ورب غنى يزيد أهله بالحرص والدناءة فقرا؛ فانظروا فيهما بأفكار إلهية لا تطلب إلا الفضيلة التي يمكن أن تكون بلا ثمن، ولا يمكن أن يكون شيء ثمنا لها، انظروا إلى بعض الأغنياء الذين تموت في قلوبهم كل موعظة إنسانية أو إلهية، فلا تثمر شيئا حتى إذا ماتوا نبتت كلها من تراب قبورهم فأثمرت لنفوس المساكين والفقراء عزاء وسلوة وموعظة من زوال الدنيا، انظروا بعين الحقيقة التي تعطي هذه الطبيعة النظر فتعطيها محاسن الطبيعة الفكر.

انظروا في باطن الإنسان بالفضيلة التي هي من نور الله، وبالحقيقة التي هي من نور الطبيعة؛ فإنكم لا ترون حقيقة الغنى تبتعد عن حقيقة الفقر إلا بمقدار شبر واحد؛ هو ملء هذه المعدة!

| هوامش

الفصل الرابع

| مسكينة! مسكينة!

قال «الشيخ علي»: واسمع الآن يا بني ما أقص عليك، فإني محدثك بخبر ليتني ما علمته، بل ليتني إذ علمته ما وعيته، وليتني إذ وعيته ما أثبته ولا نفذت فيه كما نفذ في.

ولكن الحياة كما تقضي علينا أن نشهد أموات الأحياء، ونحملهم إلى أبواب الآخرة من تلك الحفر، تقضي علينا كذلك أن نشهد أحياء الأموات من أهل الرذائل، ونحمل من أخبار ضمائرهم الميتة إلى أبواب السماء في أنفسنا!

فواها لك أيتها الحياة الدنيا! تقتلين بالشر وتجرحين بأخباره، ولا توتين عسل الحكمة إلا بعد لسع كثير.

وقد علمنا أن كل شيء يسير، فإنما هو يذهب في طريق يتهدى أو يعتسف،

1

وكأن الأسف على أهل الشر لم يجد له طريقا في هذه الحياة إلا من ضمائر أهل الخير؛ وبهذا يضرب الشر أهله وغير أهله.

كانت لنا يا بني في هذه القرية النضرة فتاة بائسة ضاق بها العريض من هذا البر، فخرجت إلى بعض المدن تستطعم الحياة، فحدثتني أنها استضاقت حتى كأنما كانت تنفذ إلى رزقها من شق في صخرة في غار في جبل، ثم استضاقت فكأنما ولجت هذا الغار فانحدرت تلك الصخرة، فسدت عليها فلا وراء ولا أمام، وأعجزها حتى المعاش الملفق.

2

وخرجت يوما على الناس وكأنها لقذارتها قطعة من الحياة البالية مدرجة في بعض الأطمار، أو روح من الهواء تمشي ساكنة في أودية من الغبار، وما تحصي العين تلك البقع المنتشرة في ثيابها؛ كأنها أرقام للفقر يعد بها ليالي عذابها، وهي - علم الله - بقع أشأم منها أنها في رقع، وقد اغبر شعرها الفاحم وتلبد، فكأنه بعض ما وقع على رأسها من حظها الأسود، ولاح من تحته وجه كالدينار الزائف في صفرته ورده، وكالقمر الممحوق في استطالته تحت الظلام ومده ، وهي فتاة عليلة قد أخذ السقام من حجمها، كما أطفأت الأقدار من نجمها، وخفي من المرض في صدرها أكثر مما خفي بين الناس من قدرها؛ وما تعرف من أسماء الأموات والأحياء غير أسماء أهلها، ولا تملك من الأرض كلها أكثر من غبار نعلها، وقد خرجت تتحامل فكلما خافتت في مشيها قليلا خافت العثار، فاستندت إلى جدار، فإذا رأيت ثم رأيت صورة البؤس، ولكن في غير إطار.

كتاب المساكين · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كتاب المساكينص ٢٦