وهل تجد - أعزك الله - في هذا الناس من يحسن أن يوقرك، إلا وهو يحسن أن يحقرك، ومن يعرف كيف يشكرك، إلا وهو يعرف كيف يكفرك، ومن يقول لك حفظك الله، إلا وهو قادر أن يقول أخزاك الله؟ فالناس عبيد أهوائهم، وأينما يكن محلك من هذه الأهواء فهناك محل اللفظة التي أنت خليق بها، وهناك يتلقاك ما أنت أهله أو ما يريدون أن تكون أهله؛ وليس في الناس شيء يزيدك كمالا من غير أن يزيدك نقصا، حتى إيمانك فإنه كفر عند قوم، وحتى عقلك فإنه سفه لطائفة، وحتى فضلك فإنه حسد من جماعة؛ وحتى أدبك فإنه غيظ لفئة.
أما شيخنا فقد مسح الله نفسه ومسح ما به من الناس؛ فليس في صدره ولا في صدر أحد حسيكة
15
عليه، وهو أبدا في صمت بليغ كصمت الطبيعة، وكأن فهمه شيء من هذا الصمت، فلا يتصل بفهمه ولا يداخل فكره إلا الجمال والقبح. والطبيعة نفسها تخرج الجميل تفسيرا للقبيح، وتظهر القبيح تعليقا على الجميل، وكذلك الشيخ في إدراكه.
وأجمل ما يرى من وجوه الحياة وجه السماء الصافية، ووجه النهر الجاري، ووجه الأرض المخضرة، ووجه الرجل الطيب، ووجه المرأة الجميلة؛ كل أولئك عنده سواء، فليس وجه خيرا من وجه؛ لأنه لا يحسن أن يئول لغة الطبيعة فلا ريبة فيه، ولا يتزيد في معانيها فلا كذب في حواسه، ولا تخاطبه الطبيعة فيما توحي إليه إلا بأسهل ألفاظها وأطهرها وبمقدار ما خلق له؛ إذ لا ترى فيه غير تلك الحيوانية الضعيفة التي هي ضرورية لحي منقطع مثله، وما كانت لوثة عقله إلا فصلا بينه وبين الإنسان في حيوانيته؛ وإن شر ما تكون هذه الحيوانية حين تكون عقلية محضة وراءها عقل العالم واختراع المخترع وفن المتفنن.
وقد يكون «الشيخ علي» رجلا تعسا في رأي الناس؛ لأنه حيوان ضعيف وإنسان أضعف، ولكنها تعاسة بالغة؛ فهي من تلك الآلام الحادة التي بالغت الطبيعة في تكوينها لتخرج منها ذلك النوع الشديد الحاد الذي يسمونه اللذة، وربما كانت التعاسة السامية خيرا من سعادة سافلة!
إن المجنون لم يزل عن منهج الحياة بجنونه، ولكنه يتبع سنة هذه الحياة على طريقة خاصة غير ما ألفه الناس أو تواضعوا عليه؛ ليرى في كل شيء أثر جنونه، فهو حي مع الأحياء ، بيد أنه يشبه أن يكون تفسيرا للحياة الغامضة التي تلوذ بكل جانب مهجور على وجه الأرض، وبكل رأس تحتسبه جانبا مهجورا؛ لأن الناس لا يفهمونها ولا يتسعون لفهمها.
وهذا «الشيخ علي» رجل غامض متلفف بحقيقته العجيبة، كدهاة السياسة في شباكهم التي يأخذون بها الأمم والشعوب، فلا تبرح ترتبك فيها ارتباك الصيد في الحبالة؛ وأولئك الفلاسفة الذين يعيشون في السحب العالية من فضائلهم، فيمطرون الكون مرة ويرجمونه مرة ... إلى غيرهم من روابي الخلق،
16
ومن كل رجل عظيم أظله أحد الجناحين المنبسطين على الأرض والسماء: جناح الوحي أو جناح التاريخ، ولكن «الشيخ» على غموضه من كل جهاته واضح من جهة واحدة، هي جهة الجنون في اصطلاحنا، وتلك هي جهة الفضيلة الخالصة فيه؛ إذ قطعت ما بينه وبين الرذيلة، وجعلت له في الناس رذيلة مجنونة مثله، فكانت سبته أنه رجل مطلق لا ينزل على حكم، ولا يتحمل على أمر، ولا ينازع إلى عادة معروفة، بل هو قد نجا بنفسه من هموم الناس، وأصبح كالروح الوثابة التي لا يمسكها قيد ولا يخضعها زمام، والتي هي فيه كما هي في موجة البحر وعاصفة الريح؛ فكل مخلوق يحجل في الحياة لمكان القيود منه، وهذا يجمع الوثبة العالية ثم يثب مقبلا ومدبرا، ويتخطى مد بصره في الحياة كأنه براق الأنبياء!
وليت شعري هل يأمل الناس أن يشهدوا الحقيقة مغلوبة على أمرها، وما كانت الحقيقة أحد الخصمين قط إلا كانت الهزيمة على الآخر، ولو أن هذا الآخر عصر من تاريخ الأرض. ثم ما هي الحقيقة إلا أن تكون عقلا مطلقا لا زيغ فيه، أو حقا مطلقا لا كذب فيه، أو يقينا مطلقا لا شك فيه؟