تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

ويومئذ كان عمل الفرد الواحد للقبيلة كلها؛ لأنه في الاجتماع بقبيلته لا بنفسه، وكان الفرد في عهد الجماعة إنما يقاتل على الرزق، فأصبح في عهد القبيلة يقاتل على الطماح إليه والاستكثار منه، ولم يكن في تاريخه ما يقذع هذا الطماح أو يكفه أو يرد فيه ردا، فاسترسل إليه، ونشأ من ذلك في نفسه معنى الجمع والادخار، وأن يمهد

3

لغيره من بعده.

ثم استفاض الدهر بحوادثه وعصوره، وقامت الممالك واستجمعت الأمم واستبحر العمران، وما برح ذلك المعنى يتسع ويتتابع ويتلون في تاريخ طويل ليس كتابنا بصدده؛

4

حتى عاد ذلك القتال الأول، فرق ثم رق إلى أن صار قتالا في الأسواق بين جماعات الدراهم والدنانير، وكان النزاع بين فرد وفرد وبين قوة وقوة، فارتقى وتهذب حتى رجع إلى أن صار نزاعا بين خلق وخلق وبين حيلة وحيلة، وبعد أن كان الميدان في رقعة هذه الأرض، صغر شيئا فشيئا أو كبر شيئا فشيئا حتى أصبح في رقعة الضمير.

فالإنسان المتمدن هو هو ذلك الإنسان المتوحش في عمله للقبيلة؛ إذ يكنز الكنوز ويعقد العقد

5

ويرتبط الأموال، غير أنه قد حصر معنى القبيلة في نفسه هو ومن تلزمه نفقته من أهله وولده، فلم تتكافأ وسيلة العمل وغايته، وجمع كثيرا وأنفق ثم فضل عنه كثير، فإن هو لم ينفق من هذا الفضل على قبيلته الإنسانية وأبناء أبيه الأول من الفقراء والمساكين، فذلك الجمع فساد طبيعي، وتزيد في أخلاق الحياة لا تبعث عليه الحاجة أو لا تحمله الحاجة التي بعثت عليه؛ ومن هنا خرج ما في لغات الناس من الذم الأخلاقي

6

الذي هو في الحقيقة هجاء الطبيعة بعقولها وشرائعها وأديانها لأكثر الناس.

فالرجل يزعم أنه يجد ويدخر ويحزم ويترقى، والحقيقة تصيح من أفواه الأنبياء والحكماء والفقراء أن ذلك جهل وبخل وطمع وتسفل، ومن أجل هذا صارت الإنسانية لا تتقدم خطوة إلا وقفت زمنا تلهث وتستروح مما بها، لكثرة ما تحمل من الصناديق والخزائن الثقيلة.

فحسبكم أيها الناس، انظروا إلى تركيب الكون واعتبروا سنن الأقدار في إدارته من أحقر ما فيه إلى أعظم ما فيه، فإنكم لا تجدون معاني الغنى الصحيح الذي لا فقر له إلا في الأجسام والعقول والأنفس، ولن تجدوا معنى واحدا خلق في صندوق أو خزانة. •••

وقد وضعت كتابي للمساكين، وأسندت الكلام فيه إلى «الشيخ علي»، وهو رجل ستعرف من خبره الذي أقص عليك أنه الجبل المتمرد الباذخ الأشم في هذه الإنسانية المسكينة التي يتخبطها الفقر من أذاه وجنونه ومسه.

وأنا أرجو أن ينزل هذا الكتاب من قلوب المساكين منزلا حسنا، وأن يتصل بأنفسهم الضعيفة، ويفضي إليهم ببثه ويفضوا إليه، فقد تكون مصاحبة البائس للبائس ثروة نافعة لاثنيهما في معاملة الزمن.

مصطفى صادق الرافعي

| هوامش

الفصل الأول

| الشيخ علي1

هو رجل تراه في ظاهره من الدنيا ولكن باطنه يلتحق بما وراء الطبيعة، وكان ينبغي أن لا يقوم مثله على مسرح الخلق إلا ممثلا، وأن لا يمثل إلا الوجه المطلق من الحياة، بعد أن استقصى الفلاسفة إلى تمثيله كل ذريعة، فلم يستو لهم أن يمروا فيه، وقصر بهم التكلف، وقطعتهم دونه تلك الفلسفة التي حملتهم عليه؛ فخلق الرجل نشيطا مهزوزا راميا بصدره ونحره، معترضا في زمام القدر كأنه صورة الفكر الذي يمثله، وكأنه أسلوب قائم بنفسه في بلاغة الطبيعة.

وأحسبه في نظره إلى الخلق يتوهم أنه رحالة خرج من بعض الأفلاك التي تعرف «بالعقول العشرة»،

2

فهبط من أشعته على الدنيا؛ فهذا العالم شيء جديد في نفسه، وهو شيء جديد في العالم.

ينظر إليك كما تنظر إليه، فأنت تتبين في سحنته

3

الواضحة أوصاف الجنون الهادئ، وتعجب من منظر تلك العاصفة النائمة في عينيه، وهو يستجلي منك معنى الغرابة في قدرة الله إذ أنشأك مثالا غير مفهوم، ويطيل عجبه منك أنك على ما فيك تتعجب منه؛ فكل رجل في رأيه إنما هو صورة من الرجل الصحيح الذي لم تزور فيه حرفة العيش ومطالب الحياة شيئا على الله.

كتاب المساكين · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كتاب المساكينص ١١