هذا دأب الاستبداد ودأب الشعب الضعيف الذي ابتلي بالنقص عن مكافأة المستبد به ومساواته؛ وكثيرا ما لا يكون هذا النقص فيه إلا بمقدار درهم واحد من الفضة التي نزلت عن مقدار الذهب.
ولكن أين هذا الدرهم المتمم؟ درهم واحد من الشعب يكون الشعب كله ويجعله مالكا بعد أن كان مملوكا، وحاكما بعد أن كان محكوما، ويخرجه في التاريخ من رتبة إلى رتبة.
هذا الدرهم هو الذي يبقى في يد القدر حتى يجيء يوم الحساب الذي وعدت به الحرية المظلومة للانتصاف من ظالميها فيعطيه الله للشعب، ولا يكون إلا رجلا ولكنه رجل إلهي.
أفتدري من هو هذا الرجل الإلهي؟ هو الذي لا تعرفه الحياة ولا يعرفه الموت فلا يذل لأحدهما؛ تتبرج له الحياة فلا تغره، ويتجهم له الموت فلا يضره؛ ويبتلى بكل ما يسوء ويسر فلا يسوءه ولا يسره ...
هو رجل روحه في كفه - وهي العلامة الإلهية فيه - فما إن يزال يثب بها من كل قبر يحتفر له ولا يسقط أبدا. وكل رجل إلهي لا يخطو إلا فوق القبور؛ حتى إن تاج الملك لينكشف عن رأس صاحب الجلالة إذا رآه وهو يهوي إلى الأرض عساه يكون لتلك الأنفة قبرا ذهبيا: فإن هذا الرجل الحق لا يجيء إلا عندما تقضي السماء على الأرض بحكم من أحكامها، فيخلق الله بين جنبيه قلبا هو المعنى المتجسم من ذلك الحكم.
وتسبق مجيئه أعاصير ومحن تهب على الأرض فتقيم الدنيا قيامة لا لظلم الناس ولكن لتمهد طريق الإعصار الساكن الذي يولد هادئا منطويا على حقيقته انطواء القنبلة.
وإنه ليخيل إلي أن هذه الأعاصير لا ترسل على الأرض إلا لغرض واحد هو من أمر الله؛ وذلك أن تسفي من كل جهة في الأرض هبوة من التراب فتجمع منه ملائكة الغضب كل ذرة قد كتب لها في الأزل أن تكون في حفرة هذا البطل فينتزع قبره من الأرض، ويمين الله لو فتحت له القبور كلها لما سقط في واحد منها بل يظل يخوض الموت خوضا وكأنه يغسل رجليه في نبع بارد؛ ولو شبت حوله جوانب الأرض سعيرا يتلظى لما عدت أن تكون نارا ينضج بها غذاء تاريخه الشره.
فمتى نفذ حكم السماء وتمت كلمة ربك واستغفرت الأرض من سيئتها التي نزل بها العقاب لأجلها، أحس ذلك الرجل أنه إنسان وأنه بدأ يعرف الحياة واستشعر ظلا يمر على نفسه وهو لا يعرف أنه تراب قبره الذي يتساقط إلى الأرض شيئا فشيئا حتى يجتمع، ولا يكون إلا ريث يتهيأ منه مقدار يواريه حتى يعرف الموت إذ يغدو على الأرض يتفقد الحفر الخالية ويجمع منها الأوراق الذابلة التي نثرها القضاء من شجرة الأعمار.
هذا هو الرجل الإلهي الذي لا ينثني؛ لأنه الحق، ولا ينحرف؛ لأنه العدل، ولا يخاف؛ لأنه البأس، ولا يضعف؛ لأنه القوة، ولا يحيف؛ لأنه الإنصاف؛ ولو تعلق به أهل الأرض جميعا لمشى بهم مطمئنا؛ لأنه في نفسه كقطعة من نظام السماء الذي يجذب الأرض في فضائها.
وهذا هو الرجل الذي يتعرف به الناس معاني الاصطلاحات النفسية القوية، كالشهامة والنجدة والصدق والإخلاص والإيثار وما إليها من سائر المفردات التي يتألف منها معجم الفضيلة.
وهو في كل ذلك كأنه قاعدة من قواعد العلوم، تعطيك المثل الذي تريده لأنها هي ذلك المثل لا لأنها تعطي وتمنع.
فلو أريد ذلك الرجل على الخيانة واللؤم والجبن والتملق ونحوها مما يكون في المتشبهين به لزاد وفاء وكرما وإقداما وأنفة، كما يزيد طيب العود بإحراقه.
أرأيت إذن مقدار الدرهم الذي ينقص الشعب؟ إن أكبر رجال التاريخ لا يزن أكثر من درهم واحد في ميزان الله.
ومن نكد الدنيا أنك لا تزال ترى المصلحين حيث ترى نفسك لا تفقدهم في مكان، ثم لا يزيد الأمر معهم إلا فسادا؛ لأنهم مصلحون بالتشبه والتقليد أو بقوة الإرادة أو بإرادة القوة؛ وإن أحدهم ليريد أن يكون مصلحا فيكون، ثم يبتغي أن يعمل عمل المصلحين فلا يبرح يبحث عن الفساد حتى يجده أو يوجده، ثم لا يتخذ من الناس ما يتخذ الأطباء في تجاربهم من العقاقير، فيستحق طائفة ويمزج طائفة ويذيب طائفة؛ كل هذا والشعب يقيه بنفسه من التلوث بالقذر كالبذلة في نطاق المتبذل؛ وهو دائب على أمره حتى تسفر التجربة عن مزيج ينظر فيه فيعرف من النظرة الأولى أنه عرق الخيبة التي تفصدت به من طول ما أجهدها في عمله ...