ولو كان المقامر يحزن على مقدار ما أضاعه دون المقادير الوافرة التي قامر عليها وكان يرجو أن يفوز بها، لما عاد امرؤ قط إلى المقامرة بعد الخسارة الأولى، وكذلك لو كان الإنسان يهتم للمصيبة على قدرها في نفسها لا بمقدارها في نفسه، لذهب بها وقتها، لأن الوقت يسير بكل شيء تدفعه فيه، ولكانت هذه المصائب في تاريخ الإنسان كأنها عطاس يزعج قليلا ثم يعقب انتهاضا من عثرة الرأس وراحة.
وما إن يزال الوهم يخيل للإنسان أن الوقت ثابت بالمصيبة التي نزلت به كأنها تغتذي من عمره. وكأن الصبر يعاف أن يغتذي من عمرها، فلا تبرح تمارسه وتشاده وتجد به وتتلعب كأنما طرح عنقه منها في غل يملك رقبته بالأسر الذي لا فكاك له، وبذا يجمع المسكين على نفسه الحقيقة التي تحاول تركه فلا تستطيع، والأوهام التي يحاول تركها فلا يطيق. ولو ثبت الوقت بشيء هذا الثبات لهلك سعداء الناس قبل الأشقياء، لأن الراحة التي لا يمد في حبلها الألم كالألم الذي لا تمد في حبله الراحة
6
وما الآلام إلا رياضة نفسية تشتد بها النفوس وتصلب فلا تهدها أثقال الحياة التي لا يضطلع بها إلا ذو المرة السوي.
7
ولولا هذه الآلام لأقفرت الأرض؛ لأن الإنسان الذي لا يتألم ليس إنسانا أرضيا، بل ينبغي له أن ترفعه الملائكة وتلوي به في جو السماء، ثم تكون مدة عمره في الأرض مسيرة ما بين الدنيا والآخرة على أجنحة الملائكة ... ويخلق ويموت كما تخلق ذبابة آذار الخيالية التي يزعم الشعراء أنها تولد إلى متع الضحى فلا تزال تطن في الروض وهي لا تجد مد صوتها
8
إلا أزهارا وألوانا وأريجا ونسيما، وتحمل وتضع وهي لا تنفك تتنفس ألحانا، ثم تطلع عليها شمس الغد بالموت كما طلعت في الأمس بالحياة، ولا يمتد الضحى حتى تتخذ من بعض الأزهار كفنا وتموت وهي تتغنى، ثم تلوح في شعاع الشمس كأنها نقطة سوداء قطرت من مداد الموت على صفحة من ورق الأزهار لكي تدكر بها روح الربيع أي ليس في الأرض خلود!
ولا يحسبن الإنسان أنه المستبد بالأرض يقوم عليها بنظامه ويبرأ منها، فإن الأرض تقوم عليه من قبل بنظامها. بل هو نفسه معنى من هذا النظام الذي لا ترخص فيه وإنما يمضي على الإنسان وغير الإنسان بعزيمة واحدة وفيه الألم والراحة جميعا.
ومهما نعم المرء فلن يبلغ مبلغ الزهرة النضرة العطرة التي تجتمع أوراقها وتتماسك مدة بقوة الحياة العطرية ثم تبلم بها نسمة تستميت في تخافتها وتجيئها وهي من الضعف كأنها صدى قبلة الحسناء المذعورة، فتنثر أوراقها وتهدم هذه البنية الملونة كما تنهدم لذات الحلم بالحركة الضعيفة من جفن النائم ساعة يستفيق!
والحياة الأرضية في طبيعتها غليظة جافية مستحكمة لو ترك لها الإنسان كما هي؛ لأنشأته خلقا أرضيا بحتا، ولكن الله جعل فيها مواضع رقيقة تشف عن السماء وما وراءها إلى مصدر القوة الأزلي وهذه المواضع هي الآلام، فهي التي يرفع منها الإنسان يده إلى السماء بضراعة إنسانية متبرئا من قوته مقرا بضعفه، وهي كذلك التي يرسل منها الإنسان نظرة إلى الأرض برحمة سماوية تنفذ إلى قلبه بالمعاني الجمة من شقاء الناس وبأساء الحياة؛ فلا يستروح هذا الإنسان من ألمه إلا وقد أكسبه الألم فضل الإنسانية وبر الفضيلة وصحة الإيمان وقوة النفس، وإن مرض يوم واحد تتوجه فيه النفس إلى الله وتعرف كيف تتنزه عن دنايا الأرض وشهواتها، لهو أجدى لها وأرد عليها بفضيلة الإنسانية من قطع دهر في دراسة كل ممتع من كتب الفلسفة.
وبئس - لعمر الله - الرجل يكون في ضرعته وما فيه إلا نفس لا تدري أيهما أضعف: أهذا النفس الذي يتعثر في صدره، أم ذلك الجسم الذي يتنغش كفراخ الطير؟
9
ثم تراه متى أحس القوة وقد ثار كما يثور الوحش من ضجعته، وكان في ألمه أشد حنقا، وكلما تمادى به الألم سخط واستحق كما يكون العاجز الموتور الذي يأكل انتقامه من نفسه ولا يزال يشره إليها ما بقي الرجل عاجزا، فهذا وأمثاله ممن تشف لهم السماء موعظة واعتبارا وهم يتبخصون