فإن كانت القاضية فكثيرا ما يموت هذا السعيد وهو يجذب الأقدار أو هي تجذبه، كأنه يريد أن يكون موتا للموت، ويصدف وجهه مرة ويشيح به مرة كأن الأرض ذابت أو تخلخلت فأصبحت لا تقوى أن تحمله فضلا عن أن تمسكه، وكأن الجهات الأربع انزوت عنه فلا يرى إلا جهة السماء، ثم يحتضر والحياة أمر ما وجدها، وكل نفس في فمه كأنه قبلة مرة تقطر من فم الرذيلة الشوهاء، ويكشف عنه غطاؤه فيرى ماضيه بعين صافية تكاد نظراتها تكون عقولا مفكرة، فلا تنفذ إحداها إلى أمر من أموره أو فعله من فعلاته إلا أبانت عن نفسها وكانت كأنها تشهد عليه، فمن حيثما التفت لا يرى إلا وجوه الأدلة، ومن حيثما أصغى لا يسمع إلا إقرارها، ويدركه الموت فيقول إني تبت الآن ... كلا إنها كلمة هو قائلها، وإنها لا تغني عنه من الله من شيء، وإنه ليقبل بها على الله وهي في فمه كالفضيحة أو أشد خزيا، ثم يموت وقد جهد بالموت وجهد الموت به، فيصعدان وكلاهما متباطئ والموت ما يكاد يحمله ويحمل نفسه، لا كما يموت الفقير خفيفا هادئا كأنه طائر بسط جناحه وطار، ولا كما يصعد خفيفا هادئا كأنه معنى جميل تذهب به رسالة معطرة.
وأكبر ظني أن بعض الأغنياء يموت في الأرض وينتهي إلى السماء ميتا ولا يحيا هناك إلا بعلاج ... يدفع ثمنه ببدنه الذي لا يملك في الآخرة غيره، كما يدفع السجين المفلس للحكومة أجر ما يأكله في سجنها من أعماله.
وما كتب الملائكة قط صحيفة هي أشام طائرا في السماء من صحيفة غني حين يحتضر، وهذه الصحيفة التي تطير بمعانيها هي التي تنطبع فيها ظنون النفس الراحلة سطورا كأنها «فنغراف» الموت، وأحسب أن السطر الأول من «الظنون الغنية» يكون جبنا شديدا، ويكون السطر الثاني خلاء لأنه موضع رعدة فلا تثبت فيه يد الملك، ويكون الثالث ندما، والرابع مجازفة، والخامس رجاء مستحيلا، والسادس أملا مضحكا، والسابع كلمات ركيكة من الإيمان الضئيل، والثامن حروف خيالات من الماضي الأثيم كأنها مقبلة بمخازيها؛ أما ما بقي مما يوفى على التتمة فإلى الله أمره وفي الثمانية ما إن قليله أهل لأن يستعظم فيستعاذ بالله منه: وما كل الأغنياء يلقون ربهم بمثل هذه الصحيفة السوداء، إن أريد إلا الغنى الذي يعيش فقيرا ليموت غنيا، فترى أمواله أرقاما لا عداد لها تملأ السفاتج «الحوالات» والدفاتر والدواوين وليس فيها رقم مؤمن تثبته الملائكة في صحيفة الحسنات ليخرج من حساب الناس إلى حساب الله!
وليت شعري ماذا يريد هذا الغني الاصطلاحي؟ أيريد أن يشتري الأرض أم أهلها؟ وهل يظن أنه يوم يشتري الأرض لا يشتري فيها قبره، ويوم يسترق الناس لا يشتري بماله من يلعنه؟ وإذا دفن تاريخ امرئ فإنما تفتح له لعنة بغيضة من لعنات الناس، ويهال عليه ألفاظ بغيضة من الاحتقار فيثوى من ذلك في قبر أبدي.
المال الكثير حاجات كثيرة، وحاجات هذا الإنسان الضعيف معدودة محدودة، ومهما حاول وزاول فإنه لن يعدو حده الطبيعي؛ إذ قد عرفت الطبيعة غروره وطماحه فجعلت له من المعدة قيدا في باطنه ووضعت عليه من القلب قفلا صغيرا، بيد أنه متين لا يقتحمه إلا الموت، فليفعل الأغنياء ما شاءوا فإنهم لا يزالون من الطبيعة حيث هم بجانب الفقراء والمساكين ههنا وههنا. والحقيقة محدودة دائما بذاتها، ولكن الوهم قبحه الله؛ هل رأيت رجلا ينظر بعيني رأسه إلى شرف مرتفع فيلمح فيه رأس رجل قد أطل ثم يحسب ضلة أن هذا الرأس قد انخلع من مغرز العنق فارتفع حيث يلوح وترك جثته متخلفة على الأرض؟
إنك لا تجد هذا الرجل ولا بين المجانين، ولكنك تجد عالما بين الفقراء كله ذلك الرجل متى التبس الأمر قليلا وصار الارتفاع في طبقات الغنى دون طبقات الهواء؛ لأن الفقير ينظر إلى الغني بإرادته لا بعينه، فإذا كانت إرادته في الغني لا حد لها فهو لا يرى حدا للغني بل قد يراه من الارتفاع والسمو في مكان لو قذفه منه بكلمة سخط لقتله ...!