تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والحب الصحيح إذا سلمت فيه دواعي الصدر،

9

واعتدلت به نوازي الكبد،

10

وتوثق فيه عقد النية،

11

واستوى غيبه ومشهده

12

كان أشبه بقوة سماوية تعمل عملها لتبدع من الإنسانية شعرا أسمى من حقائقها؛ كما كانت الإنسانية نفسها قوة عملت أعمالها؛ لتبدع من حقائق الطبيعة أخيلة أجمل من مادتها. فشعر العقل تخلقه الإنسانية من الطبيعة بالعلم، وشعر القلب يخلقه الحب من الإنسانية بالجمال؛ ومن ثم فالحب كالطبقة بين الإنسانية والإلهية، أفلا تراه يأبى حين يكون إلا أن يكون وحده هو الحق الذي ليس له في البشرية فوق فليس في البشرية ما يوضع فوقه، حتى كل ما عداه من الحقوق والواجبات فهو من بعده في الموضع والمنزلة؟

الحب الصحيح ليس له فوق، ولا يشبهه من هذه الناحية إلا الإراة الصحيحة، فليس لها وراء ولا يمين ولا شمال، وما هي إلا أن تمضي أمام أمام. •••

إنك لا ترى في هذه الرسائل ما ينزع به الكلام ذلك المنزع الذي أشرنا إليه آنفا، ولا ما يتوسع به كتاب أوربا من الحشو الذي يوجه على علل مختلفة بين التاريخ والاجتماع وما إليهما، ولا ما يقحمونه في رسائلهم من كلام نازل كالكلام الذي يتراجعه العامة،

13

فإن كتابنا خالص للجمال بذاته، واقع من الحب في خاص معانيه، ولقد كانت حوادث صاحبنا في حبه كالسحب الرقيقة في سماواتها، عمر ساعة من الشفق، وتأتي وعليها ألوانها الإلهية أصباغا واقعة كما تتفق، ثم لا يكون الجمال والتناسب مع ذلك إلا كما تتفق، فكذلك نشأت رسائله من وحي القلب وروحانيته، تموج بمعانيها وتتبرج في معارضها، ولعمري لمن كتب في الحب والجمال بقلم لقد كتب صاحب هذه الرسائل بقلب؛ ولو تحيا الابتسامة والدمعة لكانتا سرور ذلك الحب وحزنه كما وقعا في حياة الكاتب وأيامه من صاحبته، فهما لا يتجاوزان البث والتشاجي، وتباريح الصبابة، وتسليم الابتسامة على الابتسامة، ومغاضبة الدمعة للدمعة، ولكليهما من روح صاحبه داع ومجيب، وعلى ما طال بينهما من زمن الحب فهي كأنها لم تزد له على أن سنحت مسح الغزال وولت ... •••

وكان القدر ينقي حوادث هذا الغرام كما تنقى المدرة من الحب

14

بأصابع دقيقة تحت عينين مبصرتين؛ فكانت النفس فيه مع جمحاتها كالفرس تترامى في عنانها مخلى لها الطريق، ولكن أمر الطريق لها، ونهيه في العنان الذي يلجمها، وظلمات الحب في بعض النفوس المختارة كظلمات الليل في بعض الليالي: هذه لها القمر وتلك لها الفضيلة.

وما أحسب حب هذا الشاعر وتلك الشاعرة قد كان في كل حوادثه إلا تأليفا من الأقدار لهذه الرسائل بمعانيها، حتى إذا كسيت المعاني ألفاظها، انبثقت كالنور، وصدحت كالنغم، وجاءت كإشراق الضحى؛ لتناسم الأرواح

15

بعبارات صافية من روح قوية فرض عليها أن تحب، فلما أحبت فرض عليها أن تتألم، فلما تألمت فرض عليها أن تعبر؛ فلما عبرت فرض عليها أن تسلو ...!

| وزدت أنك أنت

تالله لو جددوا للبدر تسمية

لأعطي اسمك يا من تعشق المقل

1

كلاكما الحسن فتانا بصورته

وزدت أنك أنت الحب والغزل

وزدت يا حبيبتي أنك إنت ...

إن حقيقة الجمال الذي يغمر العالم أراها كأنها بجملتها مستقرة في الموضع الضيق الذي بيني وبينك وبين قلبي، تملأ مع هذا الكون عالما آخر من شعوري بك.

وفي نظرات عينيك الساحرتين أرى لمحات منبثة من الإرادة المسيطرة وراء الأشياء، تفعل مثل فعلها الجبار وراء عواطفي.

واليقين الذي دليله الإيمان والتسليم، أحسه إحساسا في نظري إليك وفي نظرك إلي، كأني أتحول معك إلى إقرار.

والمعنى العجيب الذي يفتن فتنة درية اللؤلؤة الثمينة، ويسحر سحرا نورانيا في الماسة الكريمة النادرة، هو بفتنته وسحره في نسويتك الجذابة، غير أنه اتخذ من أشياء الطبيعة أبدع ما ينظر فيه، واتخذ منك أنت أجمل ما يعقل فيه.

وما رأيتك مرة إلا خيلت لي أن بعض النواميس المادية القاهرة في هذا الوجود قد تحولت إنسانية فيك، وكأن القوى مبعثرة هناك ومنظمة هنا، وكأنك منها تقيد منطلق، واجتماع متفرق، وكأن ما حد له رآك له حدا فوقف وظهر!

أوراق الورد · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أوراق الوردص ٧