وهل رأيت قط كذبا يصلح كذبا أو خداعا يكون خداعا إلا وهو قائم على مثل هذه الحال من التنبه في النفس؛ ليتغطى ولا ينكشف، ويبقى ولا يضمحل؟ ثم هل رأيت قط شبيها لمن أضل رأيه وصوابه في وجه فاتن يعشقه إلا ذلك الذي أضل حذره وفطنته حين أحكمت له الخديعة في حلاوة الظاهر، وطلاقة الكذب، وتبرج الحيلة في زينتها حتى غفل ووقع؟ فهذا كما ترى.
وإذا لم تجد الجمال في فتنته ونضجه وقوته كأنه انتباه نفسي محتفل مستوفز على ما وصفنا لك، فلن تجد معه العشق الذي يسمى عشقا، ومنذا ويحك يستهام بامرأة مدبرة قد خلا من سنها، واقتحمت العقبة الأخيرة،
7
أو امرأة مريضة نهكتها العلة، أو التي بقيت روحها في جسمها، ولكن مات وجهها
8 ...؟ •••
وعندي أنه لو شبه العاشق وجه حبيبه بالصحراء المجدبة المقفرة قد ضل فيها رشده وضربته بكل جهاتها وضاع في معناها الأبدي معنى عمره الوقتي؛ لما رضيت له الحقيقة غير هذا التشبيه المنطبق المحكم، ولا رأت أقرب ولا أدق ولا أبدع منه، ولكن الوجه الجميل كذب ظاهر ولا يلائمه إلا كذب مثله، ومن هنا فاض الشعر وأصبحت أوصاف الجمال كلها تمويها على الغرير، وتزويرا للبشريه في غير حقيقتها وتلبيسا على روحانية الإنسان، وعاد الوجه الجميل كالصالح المنافق: صالح ومنافق معا، أي منافقان في شخص واحد ...! •••
والطفل يرى في أمه البداية والنهاية جميعا؛ لأن طفولته ستار بينه وبين ما وراءها، وكذلك العاشق: يرى في حبيبته بداية ونهاية معا؛ لأن حبه ستار بينه وبين ما عداه، يحصره بين أول وآخر في امرأة واحدة، أفلا يكفي هذا دليلا على بلاهة العاشق وغرارته، وأن الحب كالانتكاس إلى الطفولة في جهة واحدة من جهات النفس؟
وترى الصغير إذا فارقته أمه نظر حوله؛ ليستشف ما انفصل من آثارها المحبوبة على كل الأشياء التي فيها حنين نفسه، وكذلك يفعل المحب في كل ما مسته حبيبته، حتى كل شيء عليه لمحة منها، حتى ليرى بعض الأشياء يكاد يبتسم له، وبعضها يرنو إليه، وبعضها يكاد يتيه ويتدلل ويصد ...
وحول الحبيبة، تتفق لعاشقها كل عناصر الحياة المتناقضة إذا شاءت هي، ومنها هي أيضا تختلف هذه العناصر إذا شاءت، كأنها - أي الحبيبة - حياة لحياته لا مقصر له عنها، وكذلك أمر الطفل من أمه ووهمه فيها. •••
خلقت المرأة لتلد الإنسان، وهي تلد هذه الحقيقة في الإنسانية، ولكن وجهها يلد في الإنسانية الضلالة ...
ولا أدل على وهم جمالها وأنه في نفسه وفي نفسها لا أثر له - لا أدل على ذلك من أن تتراءى الجميلة في مرآتها؛ ثم تنظر نظرتها الساحرة ترف بالقبلة من شفتيها على شفتيها في المرآة ...
أما إنها وهي القبلة التي تلقيها الشفاه الحمراء شعلة منها في القلب أو الفكر، وهي القبلة التي احتوت روح الخمر في سيالها المعنوي، وهي القبلة ... هي القبلة!
ولكن الجميلة حينئذ ستقول: إنه لا بد من رجل مغفل؛ ليخلق هذه المعاني للقبلة، ويسمي من جنونه تلك الحركة الطبيعية للشفتين باسم مجنون.
والمرأة ترى بعينيها في إناث الطير والبهائم من الجمال ومعانيه ما يروقها ويكثر عندها، غير أنها لا تحس ذلك من امرأة مثلها؛ إذ من الصدق ألا يصدق كاذب كاذبا
9 ... فإن لم يقنعك أيها الرجل دليل فهذا فليقنعك ...!
ومن ثم فما يعرفه الرجل جمالا منها إنما هو فن جسمها، أي تعبير تكوينها عن حقائقها النسوية ومجاوبته بمعانيها على ما في نفس الرجل من معان تقابلها. هذه المعاني الصامتة والصارخة معا ... والتي نسميها تسمية غير مكشوفة وغير مغطاة أيضا - هي التي نضع لما يشعرنا بها، ويستهوينا منها لفظ الجمال؛ فيكون بذلك مفهوما وغير مفهوم ...
فليس الحب إلا وقوعك في التيه الذي يكون بين الفكر وهو رأي ورغبة، وبين الفكر وهو حقيقة وحادثة، ومن هذا تجد لذة الحب الشعرية بطبيعة الحال لا تملأ إلا المسافة الكائنة بين غير الممكن