تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

| كتاب لم تكتبه ...

«وانقطعت كتبها عنه مدة، فرأى أن يجري في طريقه بعض الأساليب السياسية التي تخلق الواقع متى شاءت كما تشاء، فتوهم أنها كتبت إليه كما يجب ... ثم رد على رسالتها». •••

وصل كتابك أسرع ... مما قدرت، فعلمت أن قلبك أشفق علي وخشي أن أتألم إذا انتظرت، وتناولته فأحسسته فياضا بمعانيه إذ كان في يدي كأنه لهفة قلب مجسمة، حتى ما شككت أن كل كلماته كانت خفقات.

وفضضته فطالعتني منه صحيفة تضطرب بأشواقها كأنها رجة صدر عاشق أمسكت في زفراتها وطويت، وختم عليها وجعلت رسالة! ونظرته فإذا هو ترجمة شخصك في حسنه وجماله وظرفه، وابتدرتني منه جملة باسمة أمطرتها لثما؛ إذ خيل إلي إنها ترجمة عن شفتيك.

وقرأته بفكري كما أقرأ نظراتك وابتساماتك ورجفات الدلال على جسمك حين تتناثر أفكاري عليه فإذا في موقع كل فكر على هذا الجسم الفاتن خطرة دلال أو اختلاجة صبابة أو انثناءة تيه أو هزة نشوة، وإذا معاني الجسم تجوب معاني الفكر، وإذا روح الجمال ترتعش بك من لمسات الحب.

وفهمته كما أفهم حسنك الذي جعله الحب من أسرار قلبي، فجعله القلب من أسرار روحي، فجعلته روحي من أسرار الكون، فأظهره الكون كأنه ومضة من النور القدسي أحبت أن ترى رؤية وله وعبادة فكان سطوعها فيك أنت، وكان الخشوع لها في قلبي أنا، وذهبت بي كل مذهب تقديسا وخضوعا ومحبة.

ووقف الهوى بي عند قولك ... وهو كلام كما أرهفته لحاظك تفتحت له جراح قلبي، وانصب يكلمها فتجاوبه ألما ودما.

وعند قولك ... وهو كلام كما عرفت عليه أنفاسك، احتر إليه صدري الهائم فأقبل يتخطفه بتنفسه يقطف منه الحياة.

وعند قولك ... وهو كلام كما رنت فيه ضحكاتك طربت له روحي فاهتزت له هزة حسبتها تناولت الكون أو تناولها.

وعند قولك ... وهو كلام كما غردت فيه نغماتك انسرقت له حواسي

1

فكدت أظن أن فرحة من الخلد لم تجد على الأرض إلا هذه النغمة من صوتك تحملها دون أن يتغير مدار تأثيرها السماوي.

ثم انتهيت يا حبيبتي إلى قولك ... وهو كلام لم أجدك فيه

2

كأنه كان بدء اليقظة من حلم الكتابة إلى محبك، وأول تباشير البياض الذي ينتهي عنده سواد الأسطر.

وعجبت يا حبيبتي من قولك ... وهو كلام إن كانت ألفاظه وجدت فمعانيه غير موجودة، وإن كانت في هذه الأرض من له روح تفتح وتغلق

3

فهو أنت، ولقد جعلت كلمتك الأخيرة كأنها باب أقفل في وجهي ...

ولكن لما بلغت اسمك يا حبيبتي ارتدت عنه ألحاظي مكرهة من قوة في نفسي، وبهذه القوة التي أغمضت عيني قرأت اسمك بشفتي.

ثم لم أملك نفسي أن قبلت الكتاب ألفا وألفا، حتى خيل إلي أني أكلته وشربته، ولما نظرت فلم أر في يدي شيئا تيقنت أني أكلته وشربته ... وأطيب ما كان فني.

4 •••

يحاول لي ولخيالك! إنما أنا معه كالسياسي إذ يقبل سياسيا بعد معاهدة بينهما، فيمسه بشفته مسة ليس لها إلا طعم ورقة مكتوبة ...

وآه كم تتمثلين لي وكأنك لا تزالين في ذلك الموقف ... تحاولين بدلالك وألفاظك أن تدخلي إلى نفسي من غير أن تدخلي، وأراك وما أراك إلا روحي الخارجة عني، فأحاول بأساليب الحب الكثيرة أن أردها إلي، وهي لا بد لها أن تبقى خارجا؛ لأنها جسم آخر! وأنا لا بد لي أن تكون في لأنها روحي الأخرى.

خلد على قلبي ذلك الموقف منك، فلا بد لك ولا بد لي، وبينهما لا بد ثالثة، لا بد من تألمي وعذابي!

| قالت وقلت

«هذه رسالة تجمع من كلامها وكلامه مما كان يتساقط به الحديث بينهما، وقد دونها هو في مجالس شتى، وكل فصل من هذه الفصول كان يصلح أن تبنى عليه رسالة طالت أو قصرت». •••

في بعض القصص أن لإحدى الغابات ملكا يحكمها، وكان من شريعتها أن لا يبتوأ عرشها إلا من يذبح الجالس عليه ... فالملك فيها أبدا يقظان منتبه عيناه من سلاحه، ولا يزال السيف في يده مصلتا ولو أن في كل إصبع من أصابعه سيفا قاطعا ثم غفلت عيناه غفلة لما نفعته عشرة أسياف، ولكانت إغماضته الموت لا محالة، ومع هذا الشقاء الحي فإنه يأتي إليه من يذبحه ليجلس في موضعه، أي ليتهيأ للذبح!

أوراق الورد · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أوراق الوردص ٣٧