تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد كنت وحيا من فيض شاعريتي المكتظة، وكنت طيفا من أطياف شوقي وعذابي، أنت حقيقة محسوسة مرت في أفق حياتي مرور السفن في البحر إلى الشواطئ النائية.

يا مهذبي ...!

| كذب مصور

يا حبيبا إذا حننت إليه

حن في رقتي عليه حنيني

1

أنت شخصان في الفؤاد. فشخص

عند ظني، وآخر في يقيني

واحد كيف شئت أنت، وثان

كيفما شئته أنا وظنوني

لا بهذا رحمتني أو بهذا

بل بعقلي عذبتني وجنوني! •••

أملي فيك كالخيال على المرآ

ة كذب مصور للعيون

| لماذا ... لماذا؟

وكتب إليها:

1

قرأت كتابك وهو أسطر قليلة، ولكنها إما ساحرة أو مسحورة. فلقد خيل إلي أنها تنتهي، إذ كنت فيها كأني أطارد معنى فارا مذعورا لا تمسكه الألفاظ فلا يبرح فوق السطور، إذا بلغ آخرها وثب إلى أولها فإذا كان في أولها عاد إلى آخرها، دواليك بدءا وعودا

2

ويتلجلج مثل ذلك في صدري فلا ينتهي حتى ينتهي عنه.

تقولين يا حبيبتي: أي شيء عندك هو جديد في؟ ولماذا لا تراني رؤيتك غيري؟ وكيف بعدت في نظرك المسافة بين وجه امرأة ووجه امرأة أخرى؟ وهل في وجوه النساء طريق متشعبة تذهب برجل يمينا وتلتوي بغيره شمالا، وتتوافى إلى غاية وتتفرق عن غاية؟ ثم ما الذي جعلني عندك لغزا لا تفسير له، وجعل النساء من دوني واضحات مفسرات كألفاظ الحياة الجارية في العادة والواقع، المبذولة بمعانيها لمداولة الأخذ والعطاء، على حين تزعم أني كالعبارة العقلية التي يضرب فيها الظن على وجوه شتى، وأني كما تقول: كلمة بسرها؟

لا أكاد أفهم يا صديقي معنى «كلمة بسرها»! ولا معنى قولك الذي قلته لي: إن الحب فيك أنت كعتيق الخمر: يضيف إليها الوقت كل يوم أسرارا وقوى وخيالا وعملا وسطوة ورقة، وأراه في سواك كتعتيق الماء ...

3

لماذا لماذا ليس عندي جواب كلامك وإنما هو عندك، إذ تجاوز قدر معرفتي يا صديقي، فلماذا لماذا؟ ••• «وأما قبل» ... يا صديقي، فلا أزال أقول لك ما قلته: إن من النساء في مقابلة أشعة النفوس معاني؛ فمعنى كحائط، ومعنى كمرآة: وواحدة تمسخ ظلا طامسا أراني فيها تحت الشعاع كأني ظل ممدود على التراب، والأخرى تبرق وتتلألأ، وأراني فيها سويا كاملا كأنما خلقت في ضوئها.

ومن النساء في مقابلة أهواء القلوب معان؛ فمعنى كالقفر، ومعنى كالحديقة، وواحدة يكون وجودها حول فراغها ... والأخرى وجودها القلب فهو حولها. «لماذا لماذا» لأن الإنسان غامض وتفسيره ليس فيه، ولا بد من تفسيره وإلا كان كل شيء عبثا. إن الوجود كله مفسر للطفل تفسيرا صغيرا مثله في حب أمه وحنانها، وقد يكون ثدي الأم مثالا مصغرا من الكون كالمثال المصغر من كرة الأرض في تعليم الجغرافيا، بل الأم تفسير على قدر العقل لرحمة الألوهية نفسها.

وكذلك تبدأ الحياة من أول أنفاسها بالحب، ولعل أول قبلة على وجه الطفل من أمه ساعة ينفصل منها إنما هي استقبال الحب لهذا الإنسان الجديد، ومسه من شفتي أمه بالطابع الذي لو قرئ نقشه لكان هكذا: أنت وحدك.

فإذا كبر الوليد فلا بد من تغيير في أسلوب التفسير حالا بعد حال، ولا يزال كذلك تغيره الأشياء والحوادث حتى يبلغ أسلوب الفلسفة العليا إذا انتهى إلى العشق، وحينئذ تكون قبلة الحبيبة إنما هي استقبال الحب لهذا الإنسان المتجدد، ومسه من شفتي حبيبته بالطابع الذي لو قرئ نقشه لكان هكذا «أنا وحدي ...».

لذلك أنت يا حبيبتي الفلسفة العليا، وأنت «كلمة بسرها»، أما غيرك من النساء فجمالها عندي: جمال الشكل لا جمال السر.

ومن ثم فهي مفسرة واضحة، إذ لا يرى قلبي فيها ما يعسر فهمه، ولا ما يبحث عن تفسيره، ولا ما يفسر لي شيئا من المعاني.

ومن ذلك فليس الجمال المعشوق إلا انطواء الجميل على أسرار مبهمة، وبذلك فكل نظر في المرأة لا يرجع إلا بزيادة الوضوح فيما يعلو منها وما ينزل،

4

على حين كل ما في الحبيبة يزيد على تكرار النظر غموضا كأنه شيء جديد، ودائما شيء جديد، ويأبى جمالها أن يفسر، إذا كان تفسير الشيء إنما هو إضافته إلى ما فرغت النفس منه، وبهذا وذاك فما دام الحب قائما فكل ما في الحبيبة من تكوينها وأوضاع جسمها وشمائلها ومعانيها إنما هو (مضاعفات) للمرض بها. «ولماذا لماذا؟» لأن الحب يريد أن يثبت أنه الحب، وأنه تحقيق كل إنسان روحانيته في غيره؛ ليشعر بما هو أسمى من شعوره الإنساني، وأنه امتلاء حياة بحياة؛ لتدرك معنى الكمال، فلا يكون في الحب إلا كمال الوجود الإنساني لشخص ما في وقت ما بمعنى ما.

أوراق الورد · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أوراق الوردص ٣٥