بماذا أصف الوقت الغض الذي كان ينبت لساعته رطبا نديا كأنما انبثق من قبلتين؛ لأنه مر بهواء حجرتك التي أنت فيها، ثم جعلني أعرف بعد أن فارقتك ولقيت الناس أن الزمن قد يكون من جدبه في أنفاس الناس حطبا يابسا وهشيما؟
وبماذا أصف ما لا يوصف ولا يوجد بيانه في اللسان مع أنه حي قائم في العين والضمير: إذ أشعر بك في ذلك المجلس وكأن أكثر معانيك الإنسانية تتهارب من حوله؛ لتسبغ عليك من اللطف معاني ملائكية سامية تتكلم بوجهك كلاما هو شعر الحب؟
وإذا أشعر من شدة ما وجدت بك ووطأة حبك على قلبي أنه لو حل في كرسيك شخص من معانيك لما كان إلا ملكا موترا في إحدى يديه قوسا محنية من صاعقة وفي يده الأخرى سنان يمور كالشعلة، وهو يرمي ويطعن وما يرمي ويطعن إلا لحظا وابتساما؟
بل بماذا أصف ما لا يوصف إذا أردت بلاغتي أن تكون على مقدارك وأنت تلجين على قلبي من كل جوارحي، وأراك أمام عيني تحولا مستمرا في خواطري ومعاني، فلا أملك أن أفكر في شيء ثابت، كأن دلالك قد سلبني حتى قوة التحديد، ويأتي لك أن يخضع لي منك شيء ولو بالمعنى للفظ في الذاكرة ...؟ ••• «وأما قبل» ... فلقد كنت وما أحسن منك في جملة ما أرى إلا أن الجمال الرائع في معانيه الإنسانية إنما هو قدرة في بعض النساء على اختراع أمثلة أرضية من الجنة.
وكنت وما أشعر من سحرك إلا أني بإزاء سر وضعني في ساعة من غير الدنيا وحصرني فيك وحدك، حتى ليس لك من نظرة ولا كلمة ولا حركة إلا خيل لي أنها لم تكن في امرأة من قبل حتى ولا فيك أنت، وشتى بعد ذلك فرق بينهما فيك وفي كل امرأة؛ إذ لا تواسمك في الحسن امرأة!
وهاجمتني من يقظتي، واقتحمت علي من حذري، وتركت بعض أفكاري من بعض كالمجروح يمشي على المقتول في معركة، ورمتني بما لا أجد له اسما إلا أنه زلزال روحي عنيف كان في قلبي أو كان يدا امتدت إلى قلبي فنالته فضغطته!
وخليتني وعينيك، وخليتني وما كتب علي.
وضاعفتك رهبتك في نفسي فكثرت وكثرت، وضاعفتني أيضا فزدت وزدت، حتى إن مع كل قوة في عادت فكرة حبك قوة أخرى.
واتسعت روحي لتشملك! فما كنت تتكلمين ولا تضحكين ولا تخطرين في غرفتك ولكن في داخل نفسي!
وكان نور الكهرباء وهو يشع في وجهك يغمغم أيضا بكلمات من النور لتلك الشعل التي اضطرمت في قلبي. •••
وملأت حياتي بك وعرفتني من ذلك أني كنت من قبل حيا من الأحياء الفارغة ...
وأشعرتني أجمل السعادة، سعادة نسيان الوقت، كأني في هنيهة خلقت لي وحدي تجري بي وبك فوق المقادير.
ثم دفعت بي إلى ما وراء السعادة، إلى منطقة الأحلام التي لا يكاد يصدق الإنسان فيها أن الحقيقي حقيقي!
ثم رفعتني إلى حس خالق، فإذا أنا أرى كيف تخلقين في خلق معانيك؛ لتعود معانيك فتخلقك كما أحب وأهوى
2
وتحقق بجمالك فن عواطفي، وتنشئ بعواطفي غرامي. ••• «وأما قبل» فقد كانت موجودة معي ولكنك ضائعة في؛ إذ كنا من وراء الشكل الإنساني كالعطر والنسمة الطائفة به.
وكنت أمامي ولكني أحتويك، وما أدري كيف كنت مملوءا بك وأنت أمامي؟
وكنا نتكلم ولكن ألفاظنا تتعانق أمامنا، ويلئم بعضها بعضا من حيث لا تراها إلا عيناي وعيناك.
وكنت أقطف الحياة بالتنسم من هواء شفتيك، وكأن هذه الأنفاس هي فرع ممدود من شعاع الشمس في روحي.
وتراءت النفسان فملأنا المكان بأفراح الفكر، واستفاض السرور على جمالك بمعنى كلون الزهرة النضرة، هو عطرها للنظر.
وقلت لي بجملتك: أنا ...، وقلت لك بجملتي وأنا ...! ••• «وأما قبل» ... فقد رأيت عندك الفجر، وأخذت منه نهارا أحمله في روحي لا يظلم أبدا.
وخالطت عندك الربيع، وانتزعت منه حديقة خالدة النضرة في نفسي لا تذبل أبدا!
وجالست عندك الشباب، وترك في قلبي من لحظاته ما لا يهرم أبدا!
واجتمعت عندك بالحب، وكشف لي عن مخلوقات الكون الشعري الذي تملؤه ذاتي فلا ينقص أبدا!