إنما هي قوة تلبست الصورة؛ لتعمل بها عملا في نفسها، وتدل بها دلالة في غيرها، فحبي المخلص الشديد معناه فيك أنت الحسن الخالص الفاتن، وتفكيري في محاسنك معناه في أنا: خلق لغة الأشياء الجميلة ليتصل عقلي بحقيقتها.
وإحساسي بك وحدك معناه في الوجود إحساسي بجماله كله.
والآن وأنا أكتب إليك ... تتمثلين لي فأرى تقاسيم الحسن فيك فأقول: وما هذه التقاسيم البديعة؟
ألا رفقا بالقلب الذي أجابني إنها تركيب المغناطيس الغرامي، وتوزيعه في أماكنه على هندسة الجاذبية: رفقا بالقلب الذي تلمسينه من جاذبيتك بالنظرة والكلمة والفكرة كأنه حولك لأنك حوله ...! بالوحي، والخيال، والحسن ...
من أجل الإبداع، والسمو، والحب.
أنت في نفسك، وأنت في معانيك، وأنت في!
| الأشواق
هأناذا يا حبيبتي أجلس لكتاب الشوق، وفي يدي القلم، ومعانيك مني قريبة تكاد تحس وتلمس على تباعد ما بيننا؛ لأن كل ما فيك هو في قلبي.
وهذه عينك الظاهرة دائما بمظهر استفهام عن شيء؛ لأن وراءها نفسا متعنتة تأبى أن ترضى. أو حائرة لا تكفيها معرفة، أو غامضة تريد أن لا تفسر، أو على الحقيقة؛ لأن وراءها نفسها فيها التعنت والحيرة والغموض، إذ عرفت أنها معشوقة.
هذه عينك من وراء البعد تلقي علي نظرات استفهامها فتدع كل ما حولي من الأشياء مسائل تطلب جوابها من حضورك ومرآك لا غير، وبذلك يهفو إليك القلب بأشواق لا تزال تتوافى، فلا تبرح تتجدد، فهي لا تهدأ ولا تسكن، وكأن غيابك سلب الأشياء في نفسي حالة عقلية كانت لها، كما سلبني أنا حالة قلبية.
وآه من تباريح الحب! إنها لوحوش من الأحزان ثائرة، فكل راجفة من رواجف الصدر
1
كأنها من حر الشوق ضربة مخلب على القلب.
الشوق؟ ما الشوق إلا صاعقة تنشئها كهرباء الحب في سحاب الدم يمور ويضطرب ويصدم بعضه بعضا من الغليان، فيرجف فيه حين الرعد القلبي يتردد صوته آه آه آه ...! •••
والآن يا حبيبتي ألقت عينك الساحرة علي نظرة استفهام أخرى بالصبابة ورقة الشوق، فأحسست بروحي كالغصن المخضر أثقله الزهر وقد طفقت أزهاره تتفتح وتسلم النسيم ودائع الجنة من نفحاتها وتسليماتها عليك.
وأشعر بالقلم في يدي، وكأن له شأنا مع الكلمات التي أكتبها إليك، فهو يخطها حرفا حرفا، ويقبلها كذلك حرفا حرفا! ... وكأنه الساعة ذو هيئة إنسانية (الريشة) التي فيه تمتد إلى الكلام امتداد الشفة الظمأى بالقبلات الكثيرة المخبوءة فيها!
وأشعر بالقرطاس وكأنه قد علم أن سيحمل أشواقي وأسرار قلبي، فلا يعد صحيفة ورق تموج بالألفاظ، بل صحيفة صدر ملأها جو من التنهد آه آه آه. •••
وبنظرة استفهام أخرى من عينك أشعر بحقيقتك النسوية من حولي حافة بي، فمرتجة في صدري، فملقية على قلبي المسكين من كل خطرة شوق لسعة ألم ...
نعم إنك يا حبيبتي ترسلين الأنوار في هذا القلب، غير أنها لم تكن أنوارا إلا من أنها شعل مضطرمة، والمحب الذي يضيئه عشقه ويظهر للجمال، وجوده الغرامي، إنما ينيره احتراقه وفناء وجوده الذاتي، كل قدر من النور بقدر مضاعف من الاحتراق.
وكذلك البطل العظيم في الحرب: تنهش من لحمه السيوف، ويثقب في عظامه الرصاص، وما مرقه الموت بهذه لا بتلك، ولكن مزقه مجده!
أما إنك يا حبيبتي لو ضربتني بسيف لقتلتني قتلة معطرة!
أما إنك يا حبيبتي لو ضربتني بسيف لما كنت قد زدت بسيفك وضربتك على أن تكوني خلقت الحسن في نظرة قاسية من نظرات عينيك.
وهكذا علمتني حقيقتك أن الحب إن هو إلا تفسير كل شيء في العالم تفسيرا من القلب! •••
أنت ممزوجة بالآمي، وآلامي منك هي أشواقي، وأشواقي إليك هي أفكاري، وأفكاري فيك هي معانيك في نفسي، ومعانيك هي الحب، ولكن ما هو الحب إلا أن يكون آلامي وأشواقي وأفكاري ومعانيك في نفسي؟
ولروحك أنفاس تناسمني
2
فأستنشقها مهما انصدعت المسافات بيننا، كأن ما ملأ النفس يملأ الكون، فمن شعوري الدائم بانسكاب روحك في روحي ينبعث غرامي، ويرصد بهواك لي في منفذ كل معنى إلى نفسي، ومن هذا تنبعث أشواقي الحزينة ما دمت لا أراك، وإذا كان الغرام هو سكر الروح بالروح، فما الشوق إلا التمرد العنيف من حواس الجسم المحب إذا حرم أن يسكر بالجسم الذي يحبه. •••