تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحبيب محدود بعاشقه فقط، وهذا مثال يقرب للعقل كيف يفهم الخلود الذي لا يفنى ولا ينتهي؛ لأنه أبدا ممتد مع الخالق الأزلي الذي لا ينتهي ولا يفنى. •••

عذرا أيتها الحبيبة، فمهما أكتب فلا يزال وراء الكلام ذلك المعنى الدقيق الذي لا يظهره الكلام، وذلك المعنى المعجز الذي هو بلاغة فوق البلاغة، ذلك المعنى الجميل الذي هو أنت ...!

| صرخة ألم

«وسألته مرة أن يكتب إليها في أوصاف الألم وفلسفته، قالت: لأن قلبي يجد فيك يا أستاذي ... من يؤلمه، أعني يداويه مما يؤلمه!

فكتب هذه الرسالة والتي بعدها:

وأنا والله يا حبيبتي كسار وقع في ظلمة مدلهمة تحت ليل كأنه رماد قد هيل على جمرات النجوم فأطفأها، وهو على ذلك يخبط في قفر أشد وعورة واستغلاقا من جفاء الحبيبة الهاجرة المتعنتة: لا يعرف الطريق الذي يؤدي إليها كأنها ليست في جهة، ثم بينا هو يعتسف وقد ضل ضلاله شام البرق فحسب الملائكة جاءته من فوقه تحمل مصباحا، ولكن ظلام حظه جعل الملائكة أيضا تطفئ مصباحها، وتدعه لما بين يديه ...

وكذلك أطفأت أنت حتى كلمات الأمل، التي هي كالبرق تضيء ولا يثبت منها شيء، وتلوح معانيها ثم إذا هي مظلمة من كل معنى، وتركتني لآلامي كالحنظلة المرة، لو أنك أمسستها قطرات من العسل لما أحلتها ولا بقيت حلوة.

لا ... لا، بل قطرة واحدة من هذه القطرات تجعل حنظلتي كلها يا حبيبتي قرصا من العسل ما دامت منك.

تريدين أن أكتب أوصاف الألم وفلسفته؟ ألا فاعلمي أن آثارك في هي كتابي إليك ... لا ... لا، بل سأتكلم عن أخرى مثلك هي ... هي الحياة. •••

أكثر تكاليف الحياة في ألمها وتعبها كأكثر أمراض الحياة، فهل من هذا إلا أن كل إنسان مريض ما دام حيا - بأنه حي ...؟

ونعيش بين الأشياء والمخلوقات، ومنها ما يسرنا كأنه أجزاء في وجودنا قد زيت علينا، ومنها ما يؤلمنا كأنه أجزاء قطعت منا. فهل يؤخذ من هذا الإنسان ما دام مضطرا فهو مريض بأنه مضطر ...

فأين إذن يلقي الحي آلامه وفي جسمه مرض يخلقها مندفعة منه، وحول جسمه مرض آخر يردها راجعة إليه.

أهما مرضان في القوة أم سجنان للقوة؟ أم الألوهية تحقق بهذا الأسلوب الجبار قدرتها في ضبط هذا الإله العقلي المسمى الإنسان فشدته وثاقا من شعوره بآلامه، وجعلت أكثر معانيه الإنسانية هي أكثر سلاسله. •••

إنما أمر الله إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، ومن شقاء الإنسان أنه طول حياته يزور كلمة الألوهية «كن» ويريد أن يقبض من الأشياء قيمتها ...!

وأشد ما يؤلمه أن يهزأ منه ما يقول له «كن» فلا يكون منه شيء، فالحكيم لا يتألم إلا ألم الحكمة، والجاهل يتألم بآلام الخيبة والعقاب. •••

على أن كل ألم لو حققنا راجع بلذة أو حكمة أو منفعة، وأفراحنا وأحزاننا - على تناقضها تلتقي كلها منسجمة في الحكمة الأزلية التي قدرتها لمن يفرح ومن يتألم.

وما أشبه آلام الإنسان بألم الطفل المدلل. نراه يحزن لكثرة ما يفرح، ويحول ابتسامته دموعا في عينيه فيتغير في صورته دون أن يتغير في معناه، فيضحك باكيا، ويشكو فتكون شكواه طريقة مرح في غير شكلها، ويكون في نفسه معنى واحد ولكن وجهه الغض اللين يضع لهذا المعنى أساليب مختلفة هي أنواع من ألعاب الطفولة. •••

إننا نسر حين تخضع لنا القوة المحيطة بنا فتؤاتينا، ونألم حين تتمرد علينا، ولكن يا ويحنا! ألا يجوز أن نكون نحن قد تعالينا ففتناها، وتكون آلامنا آتية من سموها على المادة، كما ترى وجه الفيلسوف عابسا تحسبه منظر لوعة وهو منظر فكرة سامية؟

ترفعنا الهموم والآلام؛ لأن عواطف الحزن والشقاء لا تكون إلا من سمو، وهي لا بد أن تكون؛ لأنها وحدها الحارسة فينا لإنسانيتنا، إذ تخلق مع حياة الجسم المادية حياة معنوية للقلب، ونحسها من فقد ما نفقده؛ لأنه لا بد للضمير الإنساني من صوت أليم يقول له أحيانا: أنت سماوي فاترك هذا، وكأن كل لوعة ألم يحسها المرء هي صرخة عاطفة جديدة ولدت في النفس! •••

أوراق الورد · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أوراق الوردص ١٨