تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فعمل عندئذ الوطنيون البولونيون لدى الباب العالي مستغيثين به لإحباط مساعي الروسيا في تعيين «ستانيسلاس» ولكن سفيرا الروسيا والبروسيا بالآستانة بذلا ضد هؤلاء الوطنيين كل جهدهم.

وكان من صالح النمسا وفرنسا عدم نجاح الروسيا والبروسيا في مسعاهما لتعيين «ستانيسلاس» فحرضتا الدولة العلية ضد الروسيا والبروسيا، وأظهرتا لها فائدة تداخلها في صالح البولونيين، ولكن المرحوم السلطان «مصطفى الثالث» كان يعجب بفريدريك ملك البروسيا إعجابا زائدا، فلم يرض لذلك العمل ضده، سيما وأن تعيين «ستانيسلاس» كان لا يضر بمصالح الدولة مطلقا، فتم تعيين هذا الرجل ملكا لبولونيا يوم 7 سبتمبر سنة 1764.

وما استقر هذا الرجل على كرسي ملك بولونيا حتى خلق فيها المشاكل والاضطرابات طبقا لرغائب كاترينا، وسهل لها التداخل في شئونها الداخلية، فطلب عندئذ بتاريخ 25 نوفمبر من السنة نفسها سفيرا الروسيا والبروسيا من حكومة بولونيا جملة طلبات تخالف المصلحة البولونية، فرفضها مجلس نواب بولونيا، وكان رفضه هذا سببا لتداخل الروسيا، فدخلت بولونيا بجيوشها الجرارة، وأسالت الدماء، وأنحت على الكثيرين من الأبرياء، واستمرت الثورات في بولونيا تباعا، والعالم كله ناظر إليها بلا حراك، حتى بلغت الروسيا مرامها من هذه الديار التعسة، وصارت بولونيا مستقلة في الظاهر محكومة في الباطن بأهواء الروسيا وأغراضها.

وفي هذه الأثناء تعين المسيو «شوازيل» وزيرا لخارجية فرنسا، وكان ألد أعداء الروسيا، وعلى الخصوص كان عدوا شخصيا لكاترينا، فكتب إلى المسيو «دي فرجين» سفير فرنسا من الآستانة يأمره بعمل كل ما في سعته لخلق المشكلات بين الدولة العلية والروسيا، وأرسل إليه ثلاثة ملايين من الفرنكات؛ ليشتري بها ذمم بعض رجال الدولة، وكان الوطنيون البولونيون حين ذاك يستغيثون بالدولة ليلا ونهارا.

وحصل أن بعض قسوس الروسيا جاءوا بلاد الدولة، وأخذوا يهيجون أهالي اليونان وكريد والجبل الأسود باسم الدين، حاملين بأيديهم وعلى صدورهم الصليب، وقام وقتئذ قسيس اسمه «ستيفانو بيكولو» في شهر أكتوبر عام 1767 يدعو أهالي الجبل الأسود للقيام ضد المسلمين، فهاجت الأهالي هياجا شديدا.

فلما رأت الدولة ذلك، ووقفت على الفظائع العديدة التي جرت في بولونيا أنذرت الدولة الروسية بالخروج من بولونيا، فرفضت وكان ذلك سبب الحرب.

وقد كانت الأمة العثمانية ميالة إلى البولونيين حتى إن المسيو «زيجلين» سفير بروسيا بالآستانة كتب إلى حكومته بتاريخ 26 يوليو سنة 1768 يقول: «إنه وإن كانت الحكومة العثمانية مطلقة النفوذ والسلطة في بلادها، ولكن للرأي العام صوتا إذا ارتفع لا تقدر الحكومة على مخالفته.»

وعندما علمت الروسيا باستعداد الدولة العلية للحرب أرسلت عساكرها واحتلت «كاركوفيا»، وقد أعلنت الحرب يوم 6 أكتوبر سنة 1768، وكان ذلك بإلقاء الدولة العلية سفير الروسيا في القصر المعروف «بقصر السبعة أبراج»، وبهذه الصورة كانت تعلن الحرب في القرن الماضي.

وقد أرسلت الدولة عندئذ منشورا للدول الأوروبية بتاريخ 30 أكتوبر سنة 1768 أبانت فيه أسباب إعلانها الحرب للدولة الروسية قائلة: «لقد تجاسرت الروسيا، وقضت على حرية بولونيا، وأجبرتها على قبول ملك ليس من عائلة ملوكية، ولم تنتخبه الأمة ملكا عليها طبقا لقوانينها وشرائعها، وأسالت الروسيا الدماء، وذبحت كل من خالف سياستها وأغراضها، وخربت الأراضي والأملاك.»

وقد أدهش إعلان الحرب بهذه الصورة كل رجال السياسة الأوروبية، وجعل كل همه الانتفاع منها. أما المسيو «دي فرجين» سفير فرنسا، فقد أعاد إلى حكومته الثلاثة ملايين، وكتب إليها: «إن رجال تركيا لا تشترى ذممهم؛ لأنهم يعملون بمقتضى مصلحة بلادهم، وشرف دولتهم.»

المسألة الشرقية · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة الشرقيةص ٩