تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد استفادت إنكلترا من خيبة الجنرال «أغناتييف» في مأموريته بفيينا، واعتمدت على مساعدة النمسا لها ضد الروسيا، وأعلن اللورد سالسبوري وزير الخارجية الإنكليزية وقتئذ أن عهدة سان إسطفانوس تجعل البحر الأسود تحت سلطة الروسيا ورحمتها، وتهدد استقلال الدولة العلية وسلامتها، وتضر بمصالح إنكلترا؛ أي إن إنكلترا أرادت أن تسمع الروسيا أنها إذا صممت على تنفيذ عهدة سان إسطفانوس قامت الحرب بينهما، وكان القابض في الحقيقة على مفاتيح السلم والحرب حينئذ هو البرنس «بسمارك»؛ لأن ألمانيا كانت بين الدول في موقف الحكم، فإنها إذا كانت انضمت إلى الروسيا كانت اضطرت النمسا إلى العدول عن محاربة الروسيا، وبذلك كانت فشلت إنكلترا وبلغت الروسيا مرامها، وإذا كانت وقفت على الحياد بدون أن تساعد الروسيا وتركتها أمام إنكلترا والنمسا كانت خسرت الروسيا أهم مكاسبها في عهدة إسطفانوس، وقد سألت الروسيا ألمانيا مساعدتها مذكرة إياها برعايتها لها ضد النمسا في عام 1866 ومساعدتها لها ضد فرنسا في عام 1870 حيث منعت النمسا من مساعدة فرنسا، ولكن البرنس «بسمارك» أبى مساعد الروسيا بجنود ألمانيا معتذرا بأن ألمانيا في حاجة مستمرة لمراقبة فرنسا والاستعداد لمحاربتها، فاغتاظ قيصر الروسيا واغتاظ سواسها أشد الغيظ من ألمانيا ووزيرها، وابتدأت العداوة الكامنة بين الدولتين من ذلك الحين في الظهور.

ولما رأت الروسيا أنه لا استطاعة لها على محاربة النمسا وإنكلترا بعد محاربتها لتركيا، طلبت من الوزارة الإنكليزية أن تعرفها عن التغييرات التي تريد إجراءها في عهدة سان إسطفانوس، وجرت المخابرات في ذلك بين اللورد سالسبوري وبين الكونت «شوفالوف» سفير الروسيا بلوندرة، وفي 30 مايو عام 1878 أمضيا اتفاقية سرية تتضمن التغييرات التي طرأت على عهدة سان إسطفانوس، ولم يكن لهذه التغييرات الجديدة التي أحدثتها الوزارة الإنكليزية في عهدة إسطفانوس أهمية؛ لأن المؤتمر الدولي كان من شأنه أن ينظر في كل شروط الصلح، وأن يقرر ما يتفق عليه فيه بالأغلبية.

أما فرنسا، فقد كانت خطتها في المسألة من بادئ الأمر خطة الدولة الراغبة في السلامة العديمة الأطماع في أخذ شيء من أملاك الدولة العلية، ولما عرضت عليها الدول الأوروبية الاشتراك معها في مؤتمر يعقد للفصل النهائي بين تركيا والروسيا، اشترطت على الدول: أولا: اشتراك كل الدول التي أمضت على معاهدة باريس عام 1856 في هذا المؤتمر. ثانيا: أن لا ينظر في هذا المؤتمر إلا في المسائل المختصة بالحرب بين تركيا والروسيا. ثالثا: أن لا يبحث أعضاء المؤتمر في شئون مصر والشام، وأن لا يناقش أحد في المؤتمر في حقوق فرنسا على الأماكن المقدسة. فقبلت الدول كلها هذه الشروط ورضيت بذلك فرنسا أن تشترك معها في المؤتمر.

وقد ظهر للقارئ مما سبق أن إنكلترا كانت متظاهرة بالمودة للدولة العلية، وكانت تهدد الروسيا بأعلى صوت ولسان، ولم يكن قصدها من ذلك خدمة تركيا أو مساعدتها، بل التغرير بها وخدعها؛ فإنها وعدتها بالمساعدة في مؤتمر برلين ضد الروسيا، وعرضت عليها عقد اتحاد معها تتعهد فيه إنكلترا بالدفاع عن تركيا إذا مستها الروسيا بسوء - ولو كانت إنكلترا صادقة في مودتها لكانت تحالفت مع الدولة العلية قبل الحرب - وتأخذ منها مقابل ذلك جزيرة «قبرص»، فانخدع رجال الدولة العلية لسواس بريطانيا وأحسنوا الظن بهم، وعقدوا معهم هذه المعاهدة في 4 يونيو عام 1878؛ أي قبل عقد مؤتمر برلين بأيام قلائل، وبذلك فقدت الدولة العلية جزيرة قبرص بدون أن تكسبها المودة الإنكليزية الكاذبة أقل فائدة. •••

وقد دعا البرنس بسمارك رسميا في 3 يونيو عام 1878 مندوبي الدول الأوروبية للاجتماع ببرلين، فحضر المندوبون وعقدت الجلسة الأولى للمؤتمر في 13 يونيو، وكان أهم مندوبي ألمانيا البرنس «بسمارك»، وأهم مندوبي النمسا الكونت «أندراشي»، وأهم مندوبي فرنسا مسيو «وادنجتون»، وأهم مندوبي إنكلترا الكونت «بيكونسفيلد» والمركيز «دي سالسبوري»، وأهم مندوبي إيطاليا الكونت «كورتي»، وكان مندوبو الروسيا البرنس «غورتشاكوف» والكونت «شوفالوف» والبارون «دوبريل». أما مندوبو الدولة العلية فكانوا «قره تيودوري باشا» و«محمد علي باشا» الروسي الأصل و«سعد الله بك».

المسألة الشرقية · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة الشرقيةص ٦٣