تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأوضحنا كذلك أن العلائق بين الروسيا والبروسيا صارت جيدة متينة، وأن مساعدة البروسيا للروسيا في حرب القرم حملت روسيا على ترك البروسيا تحارب النمسا وتقهرها وتحارب فرنسا وتقهرها، وتأخذ من كل دولة من الدولتين مقاطعتين عظيمتين، وتكون بذلك وحدتها، ويصير ملكها إمبراطورا لألمانيا بدون أن تعارضها في أعمالها، بل بقيت على الحيادة مظهرة ارتياحها لنجاح البروسيا ضد النمسا وفرنسا اللتين عاكستاها - أي الروسيا - في حرب القرم.

ومن ذلك يرى القارئ أن الروسيا والنمسا وألمانيا اتفقت بعد حرب عام 1870 التي قامت بين فرنسا والبروسيا واتفق إمبراطرتها على العمل بالاتحاد، فاهتمت الروسيا لتغيير الشرط المتعلق بحريتها في البحر الأسود الذي اتفقت عليه الدول في مؤتمر باريس عام 1856، ودعت الدول لعقد مؤتمر للنظر فيه؛ فأجابت الدول دعوتها، واجتمع مندوبوها في عاصمة بلاد الإنكليز في 13 مارس سنة 1871 واتفقوا - ولم تشترك فرنسا مع الدول لاشتغالها بعقد الصلح مع البروسيا - على تغيير هذا الشرط، وإعطاء الروسيا الحرية التامة في الملاحة بالبحر الأسود وتسيير سفنها فيه.

ولما تحققت الروسيا من أن ألمانيا والنمسا مستعدتان لمساعدتها، وأن إيطاليا دولة ناشئة لا يخشى منها، وأن فرنسا ضعيفة بعد الهزيمة خافت صوتها، وأن ليس لها في دول أوروبا من يستطيع معارضتها غير إنكلترا، وأنها وحدها لا تستطيع أن تضرها بشيء - فضلا عن أن الروسيا كانت تعلم أن إنكلترا لا تفيد تركيا شيئا؛ لأن مبدأها في كل أطوار سياستها أن تنتفع من غيرها ولا تنفع غيرها - اجتهدت «أي الروسيا» في تهييج أمم البلقان، وأرسلت في كل أنحاء بلاد البلقان زعماء ينادون بالثورة ضد الدولة العلية، وينشرون مبدأ اتحاد السلافيين تحت راية القيصر، ويدعون أقوام البلقان كافة للعصيان باسم الدين الأرثوذكسي ضد الحكومة العثمانية الإسلامية. وكان من مصلحة النمسا أن تهيج بلاد البوسنة والهرسك ضد الدولة العلية؛ لما كان عندها من الأمل في الاستيلاء عليها، فساعدت مهيجي الروسيا وأخذت تهيج كذلك أهالي هذه البلاد حتى هاج المسيحيون كافة في بلاد البوسنة والهرسك، وصارت المساعدات تأتيهم جهارا من بلاد الصرب والجبل الأسود، وأرسلت لهم من النمسا الأسلحة والذخائر سرا. فلما علمت الدولة العلية بذلك أرسلت إلى البوسنة والهرسك جيشا قويا بقيادة القائد الشهير والبطل العظيم الغازي «مختار باشا» فقمع الثورة ورد كيد الثائرين، ولكن دول الروسيا والنمسا وألمانيا التي كانت تريد كما قدمنا استمرار الثورات والاضطرابات في الدولة توسطت بين الثائرين وبين الباب العالي، وطلبت من الدولة أن تقبل مطالب الثوار بتخفيف الضرائب عنهم وبتركهم يعينون الشرطة «البوليس» من نفس أبناء البوسنة والهرسك؛ فوعد المرحوم السلطان «عبد العزيز خان» بالنظر في هذه المطالب، وبمنح رعاياه على اختلاف دياناتهم ما يطلبونه من الامتيازات، وما يراه موافقا لهم وللدولة. وفي 12 ديسمبر عام 1875 أصدر السلطان إرادة عالية بقبول مطالب أهالي البوسنة والهرسك، وبرهن بذلك على عدم تعصب الدولة ضد رعاياها المسيحيين. ولو كانت الدول راغبة حقيقة في خير المسيحيين وغير قاصدة ضرر الدولة وإضعافها، لكانت اكتفت بهذه الإرادة السلطانية، وساعدت الدولة على تنفيذها، وأمرت الثوار الذين هاجتهم ضد الدولة بالركون إلى السكينة وبالامتثال لأوامر الحكومة العثمانية، ولكنها كانت تعمل لبث الفتن والثورات، فأوعزت إلى الثوار بعدم نزع السلاح وبالاستعداد للكفاح.

وفي 30 يناير عام 1876 قدمت الدول جميعها بما فيها فرنسا وإيطاليا مذكرة للباب العالي طلبت منه فيها منح أهالي البوسنة والهرسك تمام الحرية الدينية، وتقرير مساواة الأديان، وتخفيف الضرائب، وجعل الشرطة أهلية، وتشكيل لجنة من أهالي البوسنة والهرسك مكون نصفها من مسيحيين والنصف الآخر من مسلمين؛ لمراقبة تنفيذ ما جاء في الإرادة العلية التي أصدرها السلطان في 12 ديسمبر عام 1875.

المسألة الشرقية · الصفحة ٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة الشرقيةص ٥١