تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد أحدث سقوط «سباستوبول» تأثيرا هائلا في كل أوروبا، وانتظر العالم كله إيقاف الحرب وعقد الصلح بين الروسيا ودول تركيا وفرنسا وإنكلترا، ولكن الحرب بقيت مستمرة، واحتلت الجيوش المتحدة جملة مواقع مهمة، منها مدينة «قلبرون». ولولا إقبال الشتاء لاستمرت الحرب بلا انقطاع، وفي أثناء الحرب استولت الأساطيل الفرنساوية والإنكليزية على ميناء «بتروباولوسك» واحتلت في بحر البلطيق «بومارسند» وضربت «سفيابورج».

فلما رأت الروسيا أن لا استطاعة لها على استمرار الحرب بذلت جهدها في استمالة فرنسا لها، وحل عقدة الاتفاق بين هذه الدولة وبين إنكلترا، وأرسلت إلى باريس جملة من عمالها وصنائعها؛ ليستميلوا إليها رجال السياسة الفرنساوية والقابضين على أزمة الرأي العام من الكتاب والخطباء، فأظهر الإمبراطور «نابليون الثالث» استعداده لمساعدة الروسيا، ولكنه وجدها ترفض مطالب الظافرين، فاضطر إلى الاستمرار على خطته الأولى نحوها، ولما كان من صالح إنكلترا أن تضعف نفوذ الروسيا في بحر البلطيق اتحدت هي وفرنسا اتحادا دفاعيا مع حكومة السويد التي كانت ألد عدوة للروسيا وقتئذ، وكانت تطمح لاسترجاع «فنلندا».

وجرى في هذه الأثناء أن «فيكتور إمانويل» ملك البيمونتي ذهب إلى باريس برفقة وزيره الشهير «كافور»، فانتهز الإمبراطور «نابليون الثالث» هذه الفرصة للانتقام من النمسا التي خدعته وخدعت إنكلترا في حرب القرم، فاستقبل ملك البيمونتي ووزيره أحسن استقبال، ووعدهما بالمساعدة على تحرير إيطاليا وتكوين وحدتها، فاضطربت الحكومة النمساوية وخافت شر العاقبة، وأبلغت في الحال حكومتي فرنسا وإنكلترا أنها مستعدة لأن ترسل معهما إنذارا للروسيا تهددها فيه بإعلان الحرب عليها إذا رفضت مطالب الدول الثلاث، وسألت الحكومة النمساوية فرنسا وإنكلترا أن تمضيا معها على اتفاقية تضمن أمام العالم استقلال الدولة العلية وسلامتها، فقبلت فرنسا وإنكلترا طلب النمسا، واتفقت الدول الثلاث على صورة الإنذار، وأرسلته بالفعل لقيصر الروسيا بتاريخ 16 ديسمبر عام 1855، وأعلنته بوجوب قبوله قبل تمام شهر أي قبل 17 يناير عام 1856، وهذا الإنذار يشتمل على الشروط الآتية:

أولا:

جعل المقاطعات الدانوبية تحت رعاية الدول العظمى وضمانتها، ومنع الدولة العلية من إرسال جنودها إليها بدون تصريح الدول، وتعديل الحدود من جهة البسارابيا.

ثانيا:

تقرير حرية الملاحة في نهر الدانوب تحت ضمانة الدول.

ثالثا:

جعل البحر الأسود حرا، ويعمل لذلك اتفاقية خصوصية بين الروسيا والباب العالي تضمنها الدول بعد، وقبول الدولة العلية في المجتمع الأوروبي، وعرض كل خلاف يقع بينها وبين إحدى الدول على بقية الدول، وتقرير مبدأ قفل بوغازي الآستانة والدردانيل.

رابعا:

تأكيد حقوق المسيحيين في تركيا بدون إلحاق ضرر باستقلال السلطان وسيادته العالية.

خامسا:

جواز وضع شروط جديدة إذا اقتضت مصلحة أوروبا ذلك.

فأجابت الروسيا على إنذار دول فرنسا وإنكلترا والنمسا في 5 يناير عام 1856 بقبول الشروط الأربعة الأولى، ورفض الشرط الخامس لإبهامه، ولكن البروسيا خافت اشتعال نيران حرب عمومية في كل أوروبا تقوم معها الثورات والاضطرابات، فنصحت الروسيا بقبول المطالب الخمسة، والخروج من هذه الأزمة الخطرة عليها وعلى مصالحها، فاتبعت الروسيا نصيحة البروسيا، وأبلغت الدول رسميا في 16 يناير عام 1856 قبولها لشروطها كلها .

فاجتمع عندئذ المؤتمر الدولي بباريس في 25 فبراير عام 1856 وعقدت جلساته تحت رئاسة الكونت «والوسكي» وزير خارجية فرنسا، واشتركت الدولة العلية والروسيا فيه كما اشتركت حكومة البيمونتي التي أرسلت نائبا عنها الكونت «كافور» الشهير، وكان «عالي باشا» مندوبا عن الدولة العلية في هذا المؤتمر.

المسألة الشرقية · الصفحة ٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة الشرقيةص ٤٨