وعندما وصل إنذار فرنسا وإنكلترا السابق الذكر إلى القيصر «نيقولا الأول» رفضه رفضا باتا، وقبل إعلان الحرب عليه من الدولتين، فعقدت فرنسا وإنكلترا عندئذ في 12 مارس سنة 1854 تحالفا مع الدولة العلية ضد الروسيا اشترط فيه بادئ بدء أن فرنسا ترسل خمسين ألف جندي إلى تركيا، وأن إنكلترا ترسل خمسة وعشرين ألفا، ولكن الحرب اقتضت إرسال جنود كثيرة، حتى إن فرنسا وحدها فقدت في ساحة القتال فوق المائة ألف جندي، واشترط في هذا التحالف أن دولتي فرنسا وإنكلترا تسحبان جنودهما في مدة خمسة أسابيع بعد عقد الصلح مع الروسيا، واشترط كذلك أن دولتي فرنسا وإنكلترا ترسلان أساطيلهما إلى البحر الأسود، وبالفعل استولت فرنسا وإنكلترا على البحر الأسود وأرسلتا جيوشهما إلى الدانوب، ولقمع الثورة في تساليا وبيرا أرسل جزء من هذه الجيوش إلى هاتيك الجهات، فقمعت الثورة في زمن يسير، وعادت السكينة بعد الاضطراب. •••
وبعد أن اتفقت فرنسا مع إنكلترا ضد الروسيا اجتهدت الحكومتان في استمالة النمسا إليهما؛ لأن قوة الجيش الروسي كانت على الدانوب، وكان يسهل التغلب عليه وقهره إذا ساعدت النمسا دول تركيا وفرنسا وإنكلترا، غير أن النمسا كانت تأبى العمل ضد الروسيا قبل اتفاقها على ذلك مع البروسيا، فخابرت هذه الدولة التي كان من صالحها خدمة الروسيا بدون أن يدرك ذلك أحد، وطالت المخابرات بينهما، وانتهت بعقد اتفاقية بين النمسا والبروسيا بتاريخ 20 أبريل سنة 1854 تضمنت أن النمسا ترسل لحكومة الروسيا إنذارا بعدم تقدم جنودها وبانسحابها من مقاطعتي الأفلاق والبغدان، وأن النمسا والبروسيا تعلنان الحرب على الروسيا إذا عبرت البلقان أو أعلنت استيلاءها على المقاطعتين.
وقد وجهت البروسيا عنايتها بعد عقد هذه الاتفاقية إلى إبطال مفعولها مع بقائها، وأخرت إرسال النمسا للإنذار المتفق عليه مؤملة استيلاء الجيوش الروسية في هذه الأثناء على مدينة «سيليستريا» التي كانت محاصرة لها، والتي لم تستطع الاستيلاء عليها، ولم ترسل النمسا إنذارها للروسيا إلا في 3 يونية عام 1854.
ولما لم يستطع «غورتشاكوف» الاستيلاء على «سيليستريا» رفع عنها الحصار، وسحب جيوشه عائدا إلى الوراء، وعندئذ اتفقت النمسا مع الباب العالي بتاريخ 14 يونيو سنة 1854 على احتلالها لمقاطعتي الأفلاق والبغدان، وصد هجمات الروسيا عنهما، ومساعدة عساكر فرنسا وإنكلترا في حركاتهما الحربية، إلا أن البروسيا كانت عاملة كما قدمنا على معاكسة النمسا في خطتها، فأوعزت إلى حكومات الاتحاد الجرماني باشتراط جملة شروط للتصديق على الاتفاقية التي عقدت بين الروسيا والنمسا في 20 أبريل، فعملت هذه الحكومات الصغيرة بإيعاز البروسيا واشترطت عدة شروط؛ منها اشتراكها في المخابرات التي ستجري بين الدول بشأن المسألة الشرقية، ومنها أنه إذا كانت النمسا ستجبر الروسيا على إخلاء مقاطعتي الأفلاق والبغدان يجب عليها كذلك أن توقف سير إنكلترا وفرنسا وتجبرهما على الإمضاء على هدنة؛ فاضطرت النمسا لقبول هذه الشروط، ورضيت فرنسا وإنكلترا بناء على رجائها بألا تسير جيوشهما من جهة المقاطعتين، واتفقتا عندئذ على تجريدة «القرم» والهجوم على مدينة «سباستول».
وقد أنقذت الروسيا من أخطار هائلة وخسائر جمة بتحول الجيوش الفرنساوية والإنكليزية بعد التركية عن مقاطعتي الأفلاق والبغدان اتباعا لرجاء النمسا، والفضل في ذلك للبروسيا التي أوعزت لحكومات الاتحاد الجرماني باشتراط هذا الشرط على حكومة النمسا.
فلما تحققت الروسيا من ميل البروسيا وحكومات الاتحاد الجرماني إليها أرسلت للنمسا بتاريخ 29 يونية عام 1854 جوابها على إنذارها مبينة أنها لا تستطيع الرضاء بإخلاء المقاطعتين من جنودها إلا إذا قدمت لها النمسا ضمانات كافية، وأعلنت عدم اتحادها مع فرنسا وإنكلترا، وتعهدت بمنعهما من محاربة الروسيا في الأفلاق والبغدان؛ فرأت النمسا عندئذ ضرورة الاتفاق مع فرنسا وإنكلترا على شروط جديدة لتسوية الخلاف بين الروسيا وتركيا تكون بمثابة إنذار جديد للروسيا، وجمعت بفيينا مندوبي فرنسا وإنكلترا مع مندوبيها لوضع هاته الشروط، فلما وصل هذا الخبر إلى ملك البروسيا أوعز إلى إمبراطور الروسيا بإعلان إخلاء المقاطعتين من الجنود الروسية مؤملا بذلك تعطيل أعمال مندوبي الدول الثلاث بفيينا، ولكنهم لبثوا مجتمعين بضعة أيام قرروا فيها - يوم 8 أغسطس عام 1854 - أن العلاقات السياسية بين تركيا والروسيا لا تعود لمجراها الأول؛ أولا: إذا بقيت حماية الروسيا على مقاطعات الأفلاق والبغدان وصربيا، وإذا لم توضع الامتيازات التي منحها الباب العالي لهذه المقاطعات تحت ضمانة الدول كلها. ثانيا: إذا بقيت الملاحة في الدانوب غير حرة. ثالثا: إذا لم تغير الدول معاهدة 13 يوليو عام 1841. رابعا: إذا استمرت الروسيا مدعية أن لها حق حماية المسيحيين كلهم أو بعضهم في الدولة العلية، وإذا لم تضمن أوروبا كلها استقلال الدولة العلية وسلامتها.