وقد أقر هذا المؤتمر على قرار مبهم العبارة والمعنى كان يسهل لسواس الروسيا أن يفسروه حسب أهوائهم وأغراضهم، فرفضته الدولة العلية منعا للمشاكل. فلما رأت فرنسا وإنكلترا أن الاتفاق مستحيل وأن الروسيا عاملة على منعه وإيقاد نيران الحرب أمرتا أسطوليهما بعبور الدردانيل، والوقوف أمام الآستانة، وكان ذلك بناء على طلب الباب العالي ورغبته، وفي آخر سبتمبر سنة 1853.
وفي هذه الأثناء تقابل القيصر «نيقولا الأول» في مدينة «أولموتز» مع الإمبراطور «فرنسوا جوزيف» إمبراطور النمسا، وطلب منه الاتحاد معه ضد تركيا وفرنسا وإنكلترا ، فاعتذر إمبراطور النمسا عن قبول هذا الطلب مظهرا للقيصر أسفه من عدم إمكانه مساعدته، فلما لم يجد من إمبراطور النمسا إقبالا على مساعدته طلب من ملك بروسيا مقابلته، وقابله وعرض عليه كذلك الاتحاد معه، ولكن نتيجة مسعاه عند ملك بروسيا كانت كنتيجة مسعاه عند إمبراطور النمسا.
أما الدولة العلية، فقد اهتمت بإتمام تجهيزاتها الحربية ولم تغفل شيئا من لوازم الحرب، وكان الرأي العام العثماني متهيجا جدا ضد الروسيا، والمسلمون في حالة قلق وهياج عظيمين، خصوصا وأن منشور القيصر لشعبه أبان لهم أن الحرب دينية صليبية، فاجتمعوا مئات وألوفا أمام سراي السلطان، وطلبوا بأعلى أصواتهم إعلان الحرب، فلبت الدولة طلبهم، وبعد جلسة عقدت من وزراء الدولة وكبرائها تحت رئاسة المرحوم السلطان الغازي «عبد المجيد خان»، وأعلنت الدولة الحرب على الروسيا بتاريخ 4 أكتوبر سنة 1853، وفي 8 منه أنذر «عمر باشا» قائد الجيوش العثمانية البرنس «غورتشاكوف» قائد الجيوش الروسية بانجلاء العساكر الروسية من مقاطعة الأفلاق والبغدان، وحدد له خمسة عشر يوما أجلا للجلاء تبتدئ الحرب بعدها إذا لم ينفذ البرنس «غورتشاكوف» طلب «عمر باشا».
وقد كان القيصر «نيقولا الأول» مؤملا قهر تركيا، ليس فقط بقوة جيوشه الجرارة، بل بفضل الاضطرابات والثورات التي كان يعمل عماله وصنائعه لإحداثها في الدولة العلية؛ فإن جملة من مهيجي اليونان قاموا في مقاطعة تساليا وأبيرا اللتين كانتا تحت حكم الدولة بتحريض الأهالي على العصيان في وجه الحكومة العثمانية، وساعدت الحكومة اليونانية وقتئذ هؤلاء المهيجين، وسمحت لعدد عديد من ضباطها وجنودها بالسفر سرا إلى تساليا وأبيرا؛ لنشر لواء الثورة بالفعل، وكان القيصر يحرض من جهة أخرى شاه العجم على محاربة الدولة العلية.
ولما كان أمل القيصر وطيدا في نجاح ثوار اليونان، والوصول إلى إحداث الاضطرابات في الدولة من كل جانب، أظهر لدول أوروبا ميله للسلم ورغبته في تسوية المسألة تسوية سلمية، وكان قصده بذلك إغفال الدولة العلية عن إتمام تجهيزاتها الحربية وإضعافها بالاضطرابات والثورات. وقد اغترت النمسا بتصريحات القيصر وحسبتها صادرة عن إخلاص، فجمعت سفراء الدول بفيينا ثانية في مؤتمر ، وقررت معهم في 5 ديسمبر سنة 1853 أمرين؛ الأول: المحافظة على استقلال الدولة العلية. والثاني: استقلال الحكومة العثمانية تمام الاستقلال في إدارتها وأعمالها الداخلية. وأرسلت النمسا مع هذا القرار مذكرة للباب العالي سألته فيها أن يخبر الدول في أقرب وقت على أي شروط يقبل المخابرة مع الروسيا في أمر الصلح.
ولكن جيوش الدولة كانت قد سارت تحت قيادة «عمر باشا» وهزمت الجنود الروسية هزيمة عظيمة اهتزت لها أوروبا كلها، وانتهت باسترجاع الدولة لمقاطعة الأفلاق الصغرى، وبإبعاد الجيوش الروسية من صربيا التي كان يجتهد الروسيون في تهييجها ضد الدولة. وفي آسيا أتى الجيش العثماني بقيادة «عبده باشا» ما أتاه مثيله بقيادة «عمر باشا» حيث دخل الأراضي الروسية، وهزم جنودها، واحتل قلعة «سانت نيقولا». فأزعجت القيصر هذه الانتصارات الباهرة، وانتقاما من تركيا أمر أسطوله بالبحر الأسود أن يدمر أسطولها، ففاجأه في ميناء «سينوب» وأرسل عليه نيرانه حتى دمره بعد مجهودات عظيمة.