تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غير أن القيصر «نيقولا الأول» أمر في الوقت نفسه البرنس منشيكوف بالسفر إلى الآستانة؛ ليخلق سببا لإعلان الحرب على الدولة العلية، وكانت مأموريته ظاهرها أنه مكلف بتسوية مسألتي الجبل الأسود والأماكن المقدسة مع الباب العالي، وقد سافر «منشيكوف» من سان بطرسبورغ في 10 فبراير سنة 1853 مصحوبا بضباط عديديين خلافا للعادة الجارية عند سفر أحد السياسيين إلى إحدى العواصم لمخابرة حكومتها في أمر. وجمعت الروسيا على نهر «بروث» جيشا مكونا من خمسين ألف عسكري، وبدت جليا لكل أوربا رغبة الروسيا في الحرب، بل عزمها على إعلانها.

وكان يظن القيصر «نيقولا الأول» أن البروسيا والنمسا تساعدانه ضد الدولة العلية، وأن إنكلترا لا تعارضه في شيء، وكان لا يخاف مساعدة فرنسا لتركيا، ولا يظن أن إنكلترا وفرنسا تتحدان مع تركيا ضده، وكان سفيره بلوندرة يمثل له الحكومة الإنكليزية ميالة للسلم، والرأي العام الإنكليزي مضادا للحرب، والعلائق بين إنكلترا وفرنسا غير متينة لا يخشى معها من عقد اتفاق بين هاتين الدولتين. كل ذلك حمل القيصر «نيقولا الأول» على الاستعداد للحرب وعدم المبالاة بنتائجها.

وقد سعى القيصر طويلا في الاتفاق مع إنكلترا على تقسيم الدولة العلية بين دولته وبينها، فتحادث في هذا الصدد كثيرا مع السير «هاميلتون سيمور» سفير إنكلترا بسان بطرسبورغ، ولكنه لم يفلح؛ لأن إنكلترا كانت تعلم أن بقية الدول الأوروبية لا ترضى بأمر خطير كهذا، وأن تقسيم الدولة العلية ليس بالأمر السهل، وعلى فرض وقوعه فإنه يجر أكبر المصائب على العالمين، فضلا عن أن هذا التقسيم لا يفيد في الحقيقة غير الروسيا.

وفي 28 فبراير سنة 1853 وصل البرنس «منشيكوف» إلى الآستانة بين رجاله وضباطه، وفي أبهة أراد بها التأثير على أفكار رجال الباب العالي، وصار في كل أفعاله يعمل على خلق سبب لإعلان الروسيا الحرب على الدولة العلية، فطلب أولا عزل «فؤاد باشا» ناظر الخارجية العثمانية الذي كان عدوا للروسيا؛ لتسهل له المخابرات، ثم عرض على الباب العالي مشروع عقد تحالف دائم بين الروسيا والدولة العلية تعترف فيه الدولة بحماية القيصر على الكنيسة اليونانية. فاندهش رجال الدولة من هذا المشروع الغريب، وأدركوا أن الروسيا تريد إعلان الحرب؛ لأنها تعلم جيدا أنه يستحيل على الدولة قبول هذا المشروع، فإن لرؤساء الكنيسة اليونانية سلطة دنيوية على نحو الخمسة عشر مليونا من المسيحيين، وما حماية الروسيا على الكنيسة اليونانية إلا حماية حقيقية على هؤلاء المسيحيين.

وقد أبلغت الدولة العلية سرا وكلاء الدول الأوروبية طلب روسيا هذا، ووصل عندئذ للآستانة سفيرا فرنسا وإنكلترا بها، وكلفا من قبل حكومتيهما بالعمل بالاتفاق. وبما أن البرنس «منشيكوف» كان لا يزال يجاهر بأن مأموريته تنحصر في حل مسألتي الجبل الأسود والأماكن المقدسة، اتفق السفيران على تعجيل حل هاتين المسألتين حتى يضطر «منشيكوف» إلى مبارحة الآستانة وإعلان انتهاء مأموريته أو التصريح بنوايا القيصر الحقيقية، وسبق أننا ذكرنا أن مسألة الجبل الأسود انتهت بتوسط النمسا لدى الباب العالي. أما مسألة الأماكن المقدسة، فقد رضيت فرنسا بتسويتها بما فيه ترضية للقيصر، وتمت هذه التسوية في 4 مايو سنة 1853، ولم يبق هنالك سبب ظاهري لبقاء «منشيكوف» بالآستانة، إلا أن القيصر بقي على نيته الأولى، وكان لا يزال يظن أن إنكلترا لا تساعد الدولة ضده، فقدم «منشيكوف» في 5 مايو سنة 1853 للباب العالي إنذارا شديد العبارة طلب فيه أن يجيبه في ظرف خمسة أيام على طلبه بشأن عقد اتفاقية بين الدولتين، يضمن فيها الباب العالي للكنيسة اليونانية حريتها الدينية وامتيازاتها الدنيوية، ويجعل للروسيا عليها حماية حقيقية، وأعلن «منشيكوف» الباب العالي في إنذاره بأنه إن لم يقبل مطالب الروسيا قامت الحرب بين الدولتين. فأجاب الباب العالي بأن الكنيسة اليونانية متمتعة بتمام حريتها، وبأنه مستعد مع ذلك لأن يؤكد أمام العالم كله لسائر رعاياه المسيحيين ضمانته لحريتهم الدينية، وبأنه يرفض رفضا باتا جعل الكنيسة اليونانية تحت حماية الروسيا، مبينا للبرنس «منشيكوف» أنه لا يستطيع قبول هذا الطلب بدون تعريض استقلال الدولة للخطر، ووضع إدارتها الداخلية تحت مراقبة أجنبية - أي تحت مراقبة الروسيا.

المسألة الشرقية · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة الشرقيةص ٤١